ميلاد السيّد المسيح : نصر مع القهر ونور وسط الدّيجور

بقلم الأب د. بيتر مدروس

يستغرب  خلق كثير من احتفالنا بعيد الميلاد مرّتين في يومين يبدوان مختلفين بين الخامس والعشرين من كانون الأوّل ديسمبر والسّابع من كانون الثّاني يناير ، ناهيكم عن احتفاء الكنيسة الأرمنيّة الأرثوذكسيّة  الشّقيقة بالسيّد المسيح “مولودًا معمودًا” في السّادس من كانون الثّاني حسب التّقويم الغريغوريّ وهو الثّامن عشر منه حسب التّقويم اليولياني.  ولا يجوز قبول الخطأ الشّائع الّذي يتصوّر “تقويمًا غربيًّا وتقويمًا شرقيًّا” إذ  كلا التّقويمين غربيّ : القديم المنسوب إلى الإمبراطور يوليوس قيصر (الذي يبدو أنه سنة 45 قبل الحساب الميلادي زاد شهر يناير أي كانون الثّاني جاعلاً منه بداية السّنة) والتّقويم الغربيّ المجدّد الّذي قام به البابا الرومانيّ غريغوريوس الثّالث عشر سنة 1582 م. وفي الواقع ، التّاريخ واحد : عيد الميلاد المجيد في الخامس والعشرين من كانون الأوّل ديسمبر (ولكن هناك حتّى الآن فرق من ثلاثة عشر يومًا لدى الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق الأوسط لا في بلاد اليونان نفسها) وتاريخ 6 يناير كانون الثاني عيد الظهور السيّديّ (ويقابل الثامن عشر منه عند أشقّائنا الأرثوذكس). ولا ينكر الأرمن مولد السيّد المسيح ، بل يهنئون بعضهم بعضًا بالعبارة المؤثّرة الجامعة : “المسيح وُلد وظهر” ويجيب السّامع : “لنا بشرى سارّة كبيرة ولكم”! ويكرّر المرء، من جهة ثانية ، أن لا عجب في هذه الاحتفالات إذ ورثت الكنيسة عن قوم الميثاق القديم احتفاءهم ببعض الأعياد (منها المظالّ وتدشين الهيكل والفسح نفسه) لمدّة ثمانية أيّام. وأخذت الكنيسة ولا سيّما في روما هذه الخطوة الحكيمة وهي تعذر بعض القوم بسبب انشغالاتهم وانهماكهم في أمور الحياة الدّنيا وبسبب بقايا من الوثنيّة عند بعضهم ، فأرادت أن تجذبهم إلى معابد التّوحيد لأكثر من أسبوع.

فرح الميلاد مختلط بدموع القهر ودماء المجازر

لا يعني العيد فرحة اجتماعيّة  ولا حفلات دنيويّة . وكثيرًا ما أعلن بطاركتنا وأساقفتنا أنّ “الاحتفالات سوف تقتصر على الشّعائر الدّينيّة” إذ ليس من النّاس من لا يشعر مع الناّس، خصوصًا مع بني جلدته وأهل أمّته. فكيف يعيّد الأردنيّون المسيحيّون في هذه السّنة اجتماعيًّا في حفلات سهر في حين تفتقد المملكة كلّها أحد طيّاريها المأسور؟ وكيف تبتهج بالعيد فرحًا رعايا العاصمة عمّان وقد فقدت البطريركيّة اللاتينيّة على حين غرّة أحد كهنتها الورعين الخدومين المتواضعين المتفانين في أداء الواجب الرّسوليّ بكلّ شفافيّة ؟ وكيف يفرح شعب أرض كنعان وهو يرى مع الوقت أنّ حُلم الاعتراف الدّولي به ونهاية الاحتلال عنه تبعد يومًا بعد يوم ، وقد رفضت سلفًا قوّات عظمى مطلبه المشروع ؟ كيف لا تدمع عينا البطريرك المقدسيّ اللاّتينيّ غبطة المنسنيور فؤاد بطرس الطّوال وهو يصلّي في مغارة المهد ويسمع تلاوة الإنجيل الطّاهر ويشهد بأم عينيه دموع أطفال غزّة والقطاع ودماء الكثيرين من ذويهم ودموع العائلات من جنسيّات أخرى في الأرض المقدّسة بحيث أنّ “الطفل في المغارة وأمّه مريم وجهان يبكيان : لأجل من تشرّدوا ، لأجل أطفال بلا منازل…” يحلمون – كما أعلن البطريرك- أن يحظوا ولو بكهف أو مغارة ليرقدوا فيها ولا سبيل؟

                                       

بشرى الميلاد لكسيري القلوب لبسطاء الأفئدة وللمقهورين

ما كان قدوم المسيح المنتظر ليعني شيئًا لو أتى للأغنياء والمترفين المترفّعين والأصحّاء ، بل أتى “ليخلّص ما قد هلك” و “يجبر كسيري القلوب”، طبيبًا يبحث عن المرضى والضعفاء ، “كاهنًا أعظم أي حَبرًا جديرًا بأن يُشفق على الضالّين والخاطئين”. جاء فقيرًا ليعلّمنا أنّ الثروة قريبة من “الثّرى” وبعيدة عن الثّريّا ، وُلد في مغارة لكي يذكّرنا أنّ “رأسمالنا” بعد وفاتنا مغارة أو كهف صغير أو حفرة ، بحيث أنّ إيقونة الميلاد البيزنطيّة الشّهيرة ترسم مذود الطفل المسيح بشكل ضريح وأقماطه بشكل لفائف ميت طريح. وزاره رعاة بسطاء ليدلّنا على أنّ الفقير لا يبقى وحيدًا حتّى عندما يظهر أنّ الكلّ تخلّوا عنه ، فالذي “لا أبا له له ربّ” وله أصدقاء من “صغار القوم” كبار القدر.

حقّق يسوع انقلابًا أبيض عجز كلّ من يوليوس وأغسطوس وطيباريوس وهيرودس وسواهم – حتّى نابليون وقبلهم الإسكندر الكبير- عن إنجازه أي تبيان زوال هذه الدّنيا ومجدها وغناها وعظمتها وكبريائها! ولاحقًا سوف يعلن النّاصريّ الخالد بمثله الصّالح واقواله المأثورة المؤثّرة وقوّة نعمته التي تذيب القلوب الصّخرية – سيعلن الطّوبى أي السّعادة  للفقراء والودعاء والمحزونين وضحايا الاضطهاد والساعين إلى السّلام وأطهار القلوب ، بخلاف عقليّة هذا العالم “عالم الظّلم والظّلمة”. وكيف تقيم السّعادة في افئدة المقهورين الصّاغرين المحزونين والمعوزين والمستضعفين في الأرض ؟ براحة ضمائرهم! نعم ، إنّهم هم الذين أنشد الملائكة في شأنهم عند مولد السيّد المسيح المجيد مجدًا لله في الأعالي وفي الأرض سلامًا وفي الناس المسرّة  لأهل الرّضى! نعم ، السلام في الأرض للذي أرضى الله! أمّا الظّالم المغتصب فلا “يرث” بل ينهب ويسلب ، ولا حقّ له بالقوّة بل القوّة للحقّ.

وبما أننا بشر ضعفاء يخافون أن تتدهور خيبة الأمل عندهم إلى يأس واليأس إلى كفر ، والعياذ بالله ، نسأل العلّي القدير “بسبب ضعف أجسادنا” أن يخفّف تعالى عنّا وطأة النكبات والنكسات والمصائب والبلايا فلسنا “أيّوب” مع أننا عرب (فقد كان هذا القدّيس  البطل عربيًّا) ولا نتمتّع بجَلَد القدّيس يوسف النجّار البارّ خطّيب البتول مريم – وقد نسقط أمام إغراءات شبيهات زوجة الوزير الفرعوني العزيز بخلاف يوسف الصدّيق.

ولذلك ، في إطلالة سنة جديدة ميلاديّة ، نسأل الله أن يكفّ عن الأطفال يد “هيرودس” وأن يخفف عن كواهلنا نير “أوغسطوس” وأن يبعد عنّا ، سفر قرون من الزمان ، جُبن بيلاطوس وقساوته ، وأن يقينا جشع يهوذا وخيانته – وأن ينعم علينا بولاء الرّعاة وصدق علماء المشرق ومحبة سمعان الشّيخ لطفل مريم وابتهاج حنّة النبيّة بنت “فانوئيل” التي أبصرت قبسًا من النور في وجه وليد البتول وشجاعة يوحنا يحيى بن زكريّا. وأكثر من كلّ هؤلاء ، نسأل الرّبّ أن يعطينا نحو وليد بيت لحم حبّ السيّدة العذراء مريم الوالدة دائمة البتوليّة وإخلاص المربّي الفاضل والحامي الكريم يوسف. ولا نتردّد أن نلحّ على الله بجاه طفل المغارة :”يا ربّ ، أرجع علينا بالفرح الأيّام التي رأينا فيها العناء والسّنين التي ذقنا فيها الشّقاء”!

وكلّ عام وأنتم بخير!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.