الصّوم الكبير في أمّ الكنائس زهرة المدائن وسائر المعمور

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

قبل الخوض في موضوع الكنوز الرّوحانيّة الوافرة التي يقدّمها للمسيحيّين الكتاب المقدّس في الكنيسة والتّقليد الشّريف وسِيَر القديسين والتي تنتج عنها أعمال تقوى ورحمة ومحبة وإحسان ومصالحة، ناهيكم عن المناسبات السّعيدة في المجتمع الدّوليّ في شهر آذار مارس الجاري، ليسمحنّ القارىء الكريم أن يشير الدّاعي بافتخار إلى رسالة شخصيّة أرسلها إليه غبطة البطريرك فؤاد بطرس الطّوال بعد المقال الأخير في صحيفة “القدس” الغرّاء،  مشجّعًا مباركًا، مدقّقًا مصحّحًا، بأبوّة ولطف عهدناهما في غبطته. ويسرّ المرء أن يشرك القرّاء الأعزّاء في بعض ما ورد في رسالة البطريرك الطّوال.

حكمة الاستقالة في الكنيسة اللاتينية الرّومانيّة الكاثوليكيّة للأساقفة والبطاركة في بلوغهم السّنّ القانونيّة

كشف غبطة البطريرك الطّوال أنّ قداسة البابا فرنسيس الأوّل لم يقبل استقالة غبطته حين قدّمها عندما بلغ الخامسة والسّبعين. وقدّم البطريرك الطّوال استقالته مرّة ثانية استجاب لها قداسة الحبر الأعظم بعد أشهر. وهذا الموقف البابويّ متناسق مع ممارسة السّدّة البطرسيّة الفاتيكانيّة التي يمكن لها أن تمدّد ولاية البطاركة والأساقفة الأبرشيّين، لخير الرّعيّة ولإعطاء البطريرك أو الأسقف الأبرشيّ المستقيل مهلة أخرى لتسيير بعض الأمور أو للتّروّي في تعيين خليفة له. وأوضح غبطة البطريرك فؤاد أنّ ولاية السّفراء البابويّين تنتهي في سنّ الخامسة والسّبعين. كان هذا تصحيحًا لما ورد في مقالي السّابق (ويجب أيضًا الاعتذار عن الأخطاء المطبعيّة). وبسبب خطورة شأن التّمثيل الدبلوماسيّ الفاتيكانيّ لدى الدول والكنائس، ليس واردًا أي تجديد ولا تمديد لولاية أيّ سفير بابويّ.

وينتهز المرء هذه المناسبة للإشادة بمآثر البطريرك الطّوال وإرسائه أركان أبرشيّة مثاليّة في تونس وطول باعه في خدمة الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة وعلاقاته الدوليّة وأريحيّته العربيّة والعشائريّة الأصيلة وحسن معاملته للكهنة وللمؤمنين وخفّة روحهواتّزانه في شأن الصّراع الفلسطيني الإسرائيليّ وسرعة بديهته وردود غبطته الصّريحة والذكيّة في أكثر المواقف إحراجًا وأمام أكثر الإعلاميّين دهاء!

ويذكر المرء هنا، وهذا غيض من فيض، أزمة كبيرة سببها بقاء أحد البطاركة الشرقيين الكاثوليك على كرسي أبرشياته مع تجاوزه التّسعين سنة. وعجزت الجهات الفاتيكانية في إقناعه بالتنحّي. ولما عيل صبرها وتفاقمت الصعوبات وترهلت الأبرشيات وكثرت المتاعب وتأخرت الحلول لهرم البطريرك، فكّرت أمانة سر دولة الفاتيكان أن تلجأ إلى المنسنيور فؤاد بطرس الطوال الذي كان حينها سكرتيرًا للسفارة البابوية في ذلك القطر. فطلب المنسنيور الطوال، في لباقته المعهودة، لقاء مع البطريرك المسنّ وقدّم له، بأدب واحترام ومودّة بنويّة، الأسباب الوجيهة للتنحّي السّريع عن الكرسي البطريركيّ، وما أشبه اليوم بالأمس. وعجب الفاتيكان من أنّ البطريرك لبّى فورًا رغبة المنسنيور الطوال بهذه الكلمات البسيطة المؤثرة: “يا ابني، كلامك مقنع .سأقدّم استقالتي إكرامًا لصاحب القداسة ولك!”

شهر آذار: كنوز الإيمان والمحبّة وتراث الحضارة العالميّة

تلتقي الكنيسة المقدسة الكاثوليكيّة وشقيقتها الأرثوذكسيّة مع التّراث الحضاريّ للإنسانية دومًا، ولا عجب فمعظم إنجازات العلم والثّقافة والآداب والفنون خصوصًا في الغرب نابعة عن الكنيسة، ولو أنكر الخصوم. ويقع شهر آذار، بشكل أو بآخر، في فترة الصّوم الأربعينيّ الكبير حيث تصوم الكنيسة أربعين يومًا مثل السيّد المسيح (متّى 4 : 1 وتابع). وتقدّم لنا الكنيسة قراءات من الكتاب المقدّس مؤثّرة ولا سيّما من الإنجيل الطّاهر. وهذه السّنة قرأنا من بشارة يوحنّا لقاء يسوع بالسامريّة وفتحه لعيون الرّجُل المولود أعمى. وكم تنهمر دموع التّقوى والمحبة عندما نسمع إنجيل إقامة سيّدنا يسوع المسيح لصديقه لعازر في بيت عنيا (“العيزريّة”)!

وتتوالى الأعياد للقديسين الكبار في هذا الشّهر ومنهم : القدّيس يوحنّا عبد الله مؤسس رهبنة الممرضين المهتمين بالمستشفيات، والقديس مكاريوس أسقف القدس، ومار صفرونيوس بطريرك المدينة المقدسة السرياني الآراميّ المتّحد بكرسي روما البابوي، والقديس باتريك مؤسس الكنيسة في إيرلنده، والقديس كيرلس أسقف القدس والمعلّم الفذّ للإيمان وللموعوظين أمام قبر الخلاص الذي تمّ ترميم معالمه هذه السنة بتبرعات من الكنائس والمجتمع الدوليوبعض الزعماء السياسيين المرموقين منهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين. ويأتي في التاسع عشر من هذا الشهر عيد القديس يوسف العفيف خطّيب السّيدة العذراء مريم. ولعلّ عيده هو بصواب في الكنيسة “يوم الأب” قبل عيد الأمّ بيومَين. ولا يتخيّل المسيحيّون الحقيقيّون الرّسوليّون “يوم المرأة” و”عيد الأمّ” من غير الإشادة بالسيدة العذراء أم المسيح وأمّهم الرّوحانيّة(عن يوحنّا 19: 25) وتهنئتها كما تنبأت (لوقا 1: 47 وتابع). ويصادف الحادي والعشرون من مارس آذار عيد القدّيس بندكتوس مبارك أبي الرهبان مؤسس أوروبا الحديثة وراعي قيامها بعد تدمير البرابرة لها ، وإنهاضها من كبوتها بفضل رهبانه وأديرته وحفظهم للمخطوطات وإنعاشهم للسّكّان المقهورين، بإنشاء التعاونيات الزّراعيّة. ويتكلّل شهر آذار مارس في الخامس والعشرين منه بعيد البشارة إلى سيّدتنا مريم العذراء، وهو ليس فقط العيد الوطنيّ في اليونان (وهي بلاد معروفة بإكرامها للسيّدة) بل أيضًا هو عيد وطنيّ في لبنان يجمع المسيحيين والمسلمين.

يوم الأمّ ربيع الحياة! والسيّدة العذراء أمّ، والكنيسة أمّ في المسيحيّة العريقة!

لا يقتصر عيد الأم على يوم واحد. وفي هذه السّنة، في الأرض المقدسة،ما “اكتفينا” بمآسي الشرّق الأوسط والعالم، ولا سيّما في سورية والعراق واليمن وسواها.بل جرت أحداث مؤسفة مؤخّرًا عن يد طوائف تقحم نفسها بالمسيحيّة وتشجّع أتباعها بشكل مباشر أو غير مباشر على الانتحار. وهنا أيضًا : لا عجب! فهذه المجموعات- غير المعترف بها في وطن المسيح- تتجاهل السيدة العذراء التي ولدت المسيح الذي هو”الحياة” في المسيحية. ويذكر المرء قبل عقود فتاة فلسطينية مسيحية ذهبت إلى أوروبا الغربيّة لدى إحدى المجموعات الحديثة المنشقّة. وبعد عودتها ألقت بنفسها من أعلى إحدى العمارات في القدس. وهنالك فتاة أخرى يمكن القول أن إحدى تلك الفئات “خطفتها” إلى بريطانيا بعد إغرائها بحياة كريمة رغيدة. وقطعت الفتاة كل اتّصال مع أهلها. ويذكر التاريخ في صفحاته السوداء “القس جونز” الذي أقنع آلافًا من أتباعه من “جوايانا” بالانتحار قبل نحو ثلاثين سنة!

“في اللسان قوّة، فلا تسىء استعماله”

هذا كان عنوان مقال يدلّ أسلوبه “الإرشاديّ” على طريقة مجلّة بل مؤسسة “برج صهيون للمراقبة”. وفي القلم واللسان خطورة ونفوذ تشكو الكنيسة الرسولية من فتكهما وتبيّن خطرهما وتسترهما بزخرف الكلام والدعاء بالبركات. نعم، لا يكفي “الوعظ” عن “قوّة اللسان” في علاقاتنا الاجتماعيّة، بل تلفت الكنيسة النّظر إلى كبير الضّرر في كتابات المجموعات الحديثة التي أشير إليها وتعاليم دعاتها وأصحابها التي تحضّ على الموت والانتحار بشكل غير مباشر إذ تمنع نقل الدم وتفكك العائلات وتفريق الأزواج وتسنتكر للوطن وتحتقر العلم الوطنيّ وتغلق نفسها في “جيتو” (“ومن شابه أباه فما ظلم”) فلا تشترك لا في جميعة خيرية ولا في نشاط كشفي ولا رياضيّ. أمّا تشنيعها –والعياذ بالله- بالسيدة العذراء فهو “عمل الابن المطيع” والتلميذ المباشر للتلمود اليهودي الذي يطعن بالسيد المسيح ووالدته الطهور وكنيسته المقدسة.

خاتمة

تلخّص الكنيسة اللاتينيّة نِعَم الله على المؤمنين في زمن الصوم الأربعينيّ:” إنكّ يا رب، بالصّوم الجسديّ، تكبح الرّذائل وتسمو بالنّفس وتهب القوّة والثّواب”. ونزيد بالأمل:”تكفكف الدّموع وتطلق الأسرى وتعزّي العائلات الثّكلى وتفرح الحزانى وتغذّي الجياع وتروي العطاش وتجبر كسيري القلوب”. باختصار: “تشرك يا رب بالمجد الّذين كان لهم قسطهم من الآلام”!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.