السلم الأهلي وسط الحروب الأهليّة والوطنيّة

14 آب 2016

بقلم الأب د. بيتر مدروس

عقدت مديرية العلاقات الثقافية والعامة الأردنية اجتماعا جماهيريا حول “السلم الأهلي”. وكانت لقدس الأب رفعت بدر مداخلة بليغة مأثورة، جمعت بين الإيمان والمواطنة، وبين العقل والعاطفة، والثوابت الدينية والأخلاقية والاجتماعية من جهة، والواقعيّة وعرض الاقتراحات العملية من جهة أخرى.

وتأتي هذه السطور لا إشادة بتلميذ نجيب نشيط فعّال في الكنيسة والمجتمع والوطن وعلى مستوى عالميّ فحسب، بل أيضًا بحزن وتأثر شديدَين على تلميذ آخر سابق، لبّى في الأسبوع الماضي النداء الفجائي من لدن ربّه، بعد أن كان في فلسطين والأردن علمًا من أعلام التعايش والتناغم بين المواطنين من مسلمين ومسيحيين. وكان الأب الراحل د. فيصل حجازين في فلسطين مديرًا عامًّا لمدارس البطريركية اللاتينية وأمينًا عامًّا للمدارس المسيحية. ويُدرك المرء شأن المدارس والمناهج المدرسية والجامعية في صقل شخصيات الأجيال الناشئة: ولسان حالها يردّد دعوة صاحب المزامير : “تعالوا أيها البنون واستمعوا إليّ فأعلّمكم مخافة الرب”. ويخطر هنا على البال المثل الألماني: “ما لا يتعلّمه “هانس” الصغير، لن يتعلّمه “هانس” أبدًا”، “والعلم في الصّغر كالنقش في الحجر” “ومن شبّ على شيء شاب عليه”.

شأن السلم الأهلي وسط جحيم من الحروب الأهليّة !

صدق القائمون على مؤتمر السلم الأهلي بين المواطنين في الأردنّ، وهو بحمد الله وعلى أزماته وصعوباته بلد مستقرّ آمن فيه سيادة القانون. ويكفي أن ينظر المرء بالدمع السخين إلى ما تبقّى من سورية، وما خُلّف من العراق واليمن وليبيا وسواها، ناهيكم عن وضع لبنان المتأرجح حيث ربمّا تحتفي نار تحت الرماد، والله أعلم… في الأردن استقرار مع سيادة، وفي فلسطين ركود مع همّ وغمّ وصَغار وذلّ. ولكن تعلّم الشعب الفلسطينيّ أن يتّحد بالألم ويلتئم بالعذاب، فجمعت شمله بمسلميه ومسيحييه النوائب، ووحّدته في الضراء أكثر من السراء النكبة والنكسة والتهجير، وحضنه بدل أن يفصل أعضاءه الجدار .

الحمد لله والإكبار لحكماء شعبنا الفلسطيني، وخصوصًا من أهل الفكر والصحافة والحق العشائري، أنّنا حتى الآن، بخلاف حوادث فردية مؤسفة، وأدنا كلّ فتنة “وكلّنا في الهمّ شرق” وأحبطنا كلّ محاولة تفريق أو نعرة.  ولا عجب في أننا نتوخّى السلم الأهلي ونحن نعلم أن المصادرات والقنابل والإذلال لا تميّز بين مسلم ومسيحيّ. فنتّحد أمام الحواجز وكما قال صاحب المزامير: “بحول الله نتسلّق الأسوار” إذ لا نستيطع أن “نقتحم الجيش الجرّار”! (مزمور 18). نطلب السلام ليس فقط عن ضعف بل عن قناعة وقد سئمت نفوسنا جحيم الحروب .

 

أسس أخرى للسلم الأهلي الوطنيّ

تكرّم قدس الأب رفعت بدر بتقديم ثلاث طرق لهذا السلام بين المواطنين والوئام. ولا مجال هنا لتكرار ما تفضّل به بل التلميح السريع على شأن المواطنة كأساس للتعايش والمساواة أمام القانون. وبما أنّ المعلّم الجيّد – بإذن الله- يتعلّم من أنجب طلاّبه ، فيحلو للداعي أن يستشهد في هذا المقام أيضًا، بتلميذ لي سابق موهوب، هو قدس الأب رائد عوض، الذي علّمني شيئًا استغربت لسماعه أوّل مرّة ، وهو: “في فلسطين والأردن وسورية ولبنان والعراق وسورية ومصر… لسنا نحن  المواطنين المسيحيين “أقلّيّة” بل نحن “عدد قليل”. ولضعفي في الرياضيات والاجتماعيات، ما أدركتُ الفرق حتّى فسّر لي الكاهن عوض نفسه، رئيس الكاريتاس في فلسطين: “يا أبانا، سلامة فهمك! الأقليّة هي جالية أجنبية، أمّا نحن المسيحيين المواطنين فلسنا لا أجانب ولا أعاجم ولا غرباء بل نحن من أهل الوطن”.

  • ومن هنا ينطلق مفهوم المواطنة ولا يجد أية “مقاومة”! نعم، ليس المسيحي العربي غريبًا ولا دخيلا. ومن الأخطاء غير المقصودة في مناهج التاريخ المدرسي الجامعي أنّها، بحذفها الكامل لتاريخ المسيحية في الأردن وفلسطين، منذ القرن الأوّل قبل الميلاد إلى السابع بعده، توهم الطالب المسلم والمسيحي أنّ “المسيحيين” أجانب من أحفاد الفرنجة أو الصليبيين الذين احتلّوا فلسطين سنة 1099. وبما أنّ كتب التاريخ نفسها تجهل أو تتجاهل أي دور للمسيحيين العرب في الماضي والحاضر، فإنّ الأفكار المغلوطة تبقى وتلزم مناهج جديدة و”تنقية للذاكرة” وتصفيتها من شوائب الرذل والتهميش والسلبيّة.
  • التخلّص من “النقروقراطيّة” أي “حكم الأموات على الأحياء”

هذه العبارة “النقروقراطيّة” مستعارة من ابن صفّي في مدرسة الفرير دلاسال في الباب الجديد في القدس، الدكتور ألبير أغازاريان، ومن الأب مايكل برايير صديق فلسطين. بسبب كتب تاريخ تغفل أفضالاً وفضائل وشعارها “اللي فات مات” ولكن تذكر العداوة والبغضاء والحقد والنقمة ولسان حالها يقول “الأسى لا ينتسى” تتّقد القلوب حنقًا وغيظًا وضغينة إلى أن تنفجر ” لا بسبب رمّانة بل لأنّ القلوب مليانه”. فينظر إليّ أخي المسلم أحيانًا أو لاشعوريّا باستياء، لتَوهّمه أني أتيت مع “الفرنجة” غازيًا وذبح أجدادي آلاف المسلمين! وبنفس “النقروقراطية” القاتلة، وقع في الفخ نفر من أهل الناصرة،  فصار الأحياء يقتتلون ويتناحرون بسبب “شهاب الدين” وأحسبه من أقارب صلاح الدين الأيوبي. وبما أنّه ” لا تجوز على الميت إلاّ الرحمة” و “كرامة الميت دفنه”، فلندفنهم بسلام ونترحّم عليهم، ولنحيَ نحن متمّمين الوصية الإلهية : “لا تقتل” .

 

  • التّخلّص من “الميسوقراطية” أو “الفوبوقراطيّة”

كلمة يونانيّة مركّبة لا تعرفها أكاديميّات أثينا ، من فعل “ميسين” أي “كره، أبغض”. يكره المرء أن يقول “ثقافة الكراهية” لأنّها لا ثقافة. تغذّيها بعض الكتب المدرسية (على الأقلّ السابقة) وبعض الخطابات . ولئلاّ يظلم المرء قوم الضغينة، بل لإنصافهم، يجب بصراحة وشجاعة أن نقرّ لنفر منهم كثير، بحسن النيّة ولكن بسوء المعرفة. وهذا شأن عدد كبير من الأساقفة الأعاجم الذين أحيانًا “يُريدون أن يكحّلوها فيعمونها” و”كأنّ شيئًا لم يكن وبراءة الأطفال في عينيهم”. فبدل “الفوبوس” أي الخوف من الآخر، علينا أن نُدرك مواقفه وأفكاره أوّلاً، من هنا “أهمّيّة الحوار”.

  • لئلاّ تسودنا الكراهة والخوف، إزالة سوء الفهم

كتب أرسطو أنّ الإنسان كائن جسدي عاقل. لذا لا تكفي العواطف لنزع فتيل الكراهية، بل مطلوب العقل والإقناع والاقتناع والتفاهم والفهم. وهنا نكتشف، مع أنّنا نعيش إمّا “الواحد بقرب الآخر” أو “الواحد مع الآخر” – ما زلنا نغذّي في نفوسنا أمورًا كثيرة، يسيء فيها الواحد منّا فهم دين الآخر، وكأنّنا نعيش على كوكبَين مختلفَين. وهذه مناسبة للتعمّق في كتبنا التي نقدّسها، لنستنتج أنّ كثيرًا من أحكامنا مغلوط، أو أنّ بعض ما ننتقده كان في وقت سابق، وما بقي له من اثر. ولا مجال هنا للمزيد. ويحلو للداعي وقد تتلمذ على يد قدس الأب الراحل يعقوب سعادة أن يشيد بذكره، رحمه الله، قدوة في الحوار بين الأديان.

  • لا سلام من غير عدل

مهما كانت نظريّاتنا جميلة، فلا سلم بين المواطنين من غير عدل. ومع أنّ الدستور الأردني والفلسطيني وسواهما – على سبيل المثال- يعلنان “كلّ المواطنين متساوون أمام القانون” – وملخّص الفكرة في العبارة الإسلاميّة “كأسنان المشط”، غير أنّنا نعلم بواقعيّتنا التي لا تعيش في الأحلام، أنّ الظلم بيننا قائم أحيانًا، وربّما أحيانًا كثيرة إمّا بسبب نعرة دينية لاشعورية، لا نعمّمها ولا نُنكرها تمامًا أو بسبب… الفساد والمحسوبيّات و”الواسطات” وسلبيّات الروح القبليّة والمحاباة والمصالح. لذا مطلوبة نزاهة القانون وصرامته بلا هوادة.

خاتمة

هذا برنامج طويل بدأناه منذ عهد بعيد، وعلينا أن نكمل المسيرة، لنستحقّ تهنئة السيّد المسيح: “طوبى للساعين إلى السلام” أو حسب الأصل الآرامي “طوباهم عاملو السلام”. وإذا اختلفنا تصالحنا، فالصلح هو سيّد الأحكام والمحبّة هي “رباط السلام”.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.