شهر العذراء والأزهار والزّيارة البابويّة لمصر الأمصار

بقلم الأب د. بيتر مدروس

تتزامن أحداث لها عميق المعاني في تاريخنا المحلّيّ والعالميّ، منها زيارة البابا فرنسيس الأوّل لمصر ومحبّة قداسته لشعبها بكلّ أطيافه وإجماع إهلها على عبادة الله وإكرام السّيّدة العذراء، وخصوصًا في شهر مايو أيّار هذا الّذي تكرّسه الكنيسة الكاثوليكيّة لتكريم السيّدة وتهنئتها كما تنبّأت (لوقا 1 : 48). فها إنّ أعلى سلطة معنويّة دينيّة أخلاقيّة في الغرب ترفع لواء التّعايش والحوار وتشدّ على أيدي المناضلين في سبيل السلام، أقادة دينيّين كانوا أم سياسيّين. وتعانق الحبران الجليلان البابا فرنسيس والأنبا تواضروس الثّاني مع الإمام الأكبر للأزهر فضيلة الشّيخ أحمد الطّيّب. وأتى هذا اللقاء التاريخي تلبية لدعوة سيادة الرّئيس السّيسي لقداسة البابا أن يزور مصر. وكفكفت تلك اللقاءات الدينية والمدنية والشعبية دموع المتألّمين ولا سيّما اليتامى والأيامى. ورفعت القلوب أحرّ الدّعاء كي يقف سيل الدّماء في منطقتنا المنكوبة.

إيماننا كمسيحيّين ومسلمين بالسّيّد المسيح

يعرف عصرنا تحدّيات لعقيدتنا ما عهدناها من قبل، وقد لا نكون جاهزين لمواجهتها، بخلاف وصيّة أمير رسل المسيح أي الحواريين وهو بطرس الصّفاة: “كونوا دائمًا مستعدّين كي تدافعوا عن الرّجاء الّذي يعمر قلوبكم، ولكن بوداعة ووقار” ( 1 بطرس 3 : 15). ومن “المفكّرين” من يتمتّع، والحقّ يقال، بحسن النّيّة. ولكن بعض نظريّاته ليست أقلّ تشويشًا من سموم الخصوم. وعلى سبيل المثال كاتب لبناني مسيحيّ مؤمن يعتقد أنّ المسيحيّة فينيقيّة الأصل والمنبت على غرار “معبودات” منها إيل وعشتروت وأدونيس “الّذي تعذّب ومات وقام كل ربيع من بين الأموات”. يكتفي الكاتب بالشّبه اللفظي والإسميّ وببعض أمور مشتركة سطحيّة. نقول : سطحيّة، لأنّ لا شبه بين الخيال والحقيقة! فالمسيح حقيقة تاريخيّة ثبت وجودها في فلسطين ، بعلم الآثار والتاريخ، لا في فينيقية أي لبنان. وما كان يسوع مثل “أدونيس” محبوب أفروديتا أو “فينوس” “معبودة الجمال” الخياليّة! وما “يقوم” يسوع “كلّ ربيع” بل “مات عن الخطايا مرّة واحدة وقام” مرّة واحدة، نذكرها في الكنيسة الرّسوليّة ليس فقط مرّة في العام في عيد الفصح السيدي المجيد بل كل يوم أحد على مرّ السنين وكرّ الأجيال والقرون. ولا نكتفي فقط بولادة المسيح من عذراء (وهي وهم في الوثنية وحقيقة في المسيحية والإسلام) ولا بنهاية حياته، بل لا مقابل لتعاليم السيّد المسيح وأخلاقياته عند ايّ من “المعبودات” الفينيقيّة التي هي، مرّة أخرى، وهميّة.

السيدة العذراء الوالدة مريم

لا يعني اسمها “سيّدة البحر” إذ وجب أن يكون “مارثا يام”. والاسم منسوب إمّا إلى الكنعانية ولعلّها الفينيقيّة الجنوبيّة، إلى جذر “روم” أي “السموّ، مكان السّموّ والرّفعة”، أو إلى الأصل الفرعونيّ “محبوبة الإله”. ويتضارب الباحث اللبناني المشار إليه بين “معبودة الخصب” وبين “عانات” العذراء. على فكرة، بقي شيء من “عانات” في تراثنا الشّعبيّ الغنائيّ ولا سيّما في فلسطين بلفظة غريبة  لا تفسير لها هي “على دلعونا”. ويبدو أنها آتية من عبارة “دلّوني على عانات”. 

وبخلاف ما يتوهّم الكاتب اللبناني المشار إليه، ليست فكرة العذراء الأمّ “غريبة على العهد القديم”. ففي أشعيا 7 : 14 نقرأ :” ها إنّ الفتاة تحبل وتلد ابنًا” ونقلتها “الترجمة السبعينيّة” في اليونانية، وهي ترجمة يهودية سابقة للمسيح بنحو ثلاثة قرون: “ها إنّ العذراء تحبل وتلد”.

اعتراضات “غربيّة” غريبة من “مسيحيّين” على ثوابت في شأن السيّدة العذراء مريم، منها السّلام!

ولا يمكن أن تأتي من الشّرق المشرق المستنير اعتراضات على البتول مريم ولا على مقامها بسبب إكرامنا الفطريّ للأمّ. بل مصدرها، منذ قرنين أو أقلّ، غربيّ يغلب عليه الطّابع الأمريكيّ المتطرّف المخالف ببكتاب المقدّس وحتّى لكتابات مارتن لوثير الّذي حَرّر من أجمل الصفحات عن والدة السيّد المسيح “سامية القداسة”، خصوصًا في تفسيره لنشيدها الخالد “تعظّم نفسي الرّبّ”.

 

التّهمة بأن الكنيسة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة “تعبد” العذراء، حاشى وكلاّ!

تهمة باطلة: تعلّم الكنيسة ضرورة ليس فقط “إكرام العذراء”، من بعيد لبعيد، بل وجوب تطويبها أي تهنئتها كما تنبأت ، منها السلام: “ها منذ الآن تطوّبني (أي تهنّئني) جميع الأجيال” (لوقا 1 : 48). وتتمّ التهنئة أو التطويبة- وفي الإعادة إفادة لأولي الألباب- إمّا بصيغة الغائبة “طوبى لمريم” أو المخاطَبَة “طوبى لكِ يا مريم”. وبصراحة  وبكلّ أسف، لا يجد المرء أيّة تهنئة للعذراء، لا في كتابات تلك المجموعات (خصوصًا في اللغات الأعجميّة ولا سيّما السكسونيّة) ولا في “وعظها”، وكأنّ نفرًا من دعاتها وتابعيهم “يتكهربون” من ذِكر السيّدة، والعياذ بالله. بهذا الموقف يكون “مخالفًا للإنجيل كل من لا يهنّىء العذراء” (الكاتب اليوناني الأرثوذوكسي باناغوبولو). والطّريف أنّ كنية أسرته “باناغوبولو” مشتقّة من “باناغيّا” وهو أشهر الألفاظ المشيرة إلى السيّدة العذراء مريم في اليونانيّة الحديثة، ويعني “كاملة القداسة”. ومن الأسماء الشخصيّة اليونانيّة المستمدّة من لقب العذراء هذا “باناغيوتس” (“بنايوت”) اي “الذي يخصّ أو ينتمي إلى (العذراء) كاملة القداسة”.

الاعتراض (غير المنطقيّ) أنّ “دور مريم انتهى بولادتها للمسيح”!

هذا الموقف أيضًا “لا إنجيليّ” بمئة وستّين درجة! فقد تابعت البتول ابنها المسيح حتّى موته. وقُبيل لفظه الرّوح طلب منها أن تستمرّ في أمومتها التي ظهر للسّطحيّين أنها كانت ستنتهي بموته. وسألها أن تقبل أمومة جديدة: نحو تلميذه الحبيب يوحنّا (يو 19 : 25). وفي هذه الخطوة “شهادة حسن سلوك”في أمومتها له!

وأيّ أمّ من والدتنا المحبّات المحبوبات المحترَمات المحترِمات (بفتح الرّاء وبكسرها)، تتركنا بعد أن ولدتنا؟ وكان يحلو للوالدة الغالية- رحمها الله- أن تجيب المعبّرين عن هذا الاعتراض بانتهاء دور “مريم” بعد أن ولدت يسوع: “هل ولدته من هنا ثمّ – عذرًا- أودعته إلى “راهبات المحبّة”؟ (حيث تهتمّ الراهبات المشار إليهنّ، حتّى أيّامنا، بالحالات الصعبة من لقطاء ويتامى صغار …). وكانت- طيّب الله ثراها ورحم روحها وأضاء عليها- تزيد بلا تردّد: “لا يأتي هذا الاعتراض من أمّ، فالأمّ تحبّ طفلها قبل أن تراه عينها! ولا يجيىء هذا الاعتراض من عائلات ولا من أبناء عائلات بل من بيئات مسكينة لا تعرف الأمّ ولا الأمومة، وكأننا بها من أطفال الجمعيات الزراعية التعاونيّة العبريّة مجهولة الوالدين!” ويذكر المرء في هذا المقام كلمة أحد أساقفة جنوب البرازيل الكاثوليك:” إنني أشفق على الّذين لا أمّ لهم!” وقد  قصد ليس فقط يتامى الوالدات أو مجهوليهنّ بل الجماعات التي تتنكّر للسيّدة العذراء وترفض أمومتها الروحانيّة لهم. ولا يضرّ أن يوضح المرء من جديد، أمام اعتراض “عنيد”، أنّ أمومة السيدة العذراء الروحانية ليوحنا الحبيب ولنا لا تجعل منها “معبودة”. ولا يفوتنا أنّ العالم الإسلاميّ أيضًا يرفض بصواب أيّ “اتّخاذ” للمسيح ووالدته كمعبودين!

اعتراض آخر: “كانت مريم أمّ يسوع بالجسد”!

أليست أمّهاتنا ولدننا بالجسد؟ أهنالك “أمومة” من بخار أو من أشباح أو من أرواح أو من أفكار بلا جسد وبلا  مخاض؟ قد يقصدون الطبيعة الإنسانية في المسيح. على كل حال، ما اكتفى يسوع بالأمومة الجسدية له من والدته بل وهب لها أمومة روحانيّة سائلا أن تتبنّى رسوله الحبيب يوحنّا (يو 19 : 25 وتابع).

لنتصورّنّ أن يقول أحدنا لوالدته: “أنتِ أمّي فقط بالجسد!” وماذا نحن وكياننا وشخصيّتنا وهويّتنا من غير الجسد؟ أنحن ملائكة أم “بشر”: وكلة “بسار” في الكنعانية تعني “جسد، لحم”.

اعتراض آخر: كانت “مريم” أمّ المسيح على الأرض فقط!

أكانت العذراء أو المسيح من كوكب آخر ليوضح أحد أنها كانت أمّه “على الأرض”؟

يقولون: “صعد يسوع إلى السماء، ووالدته ماتت، فما عادت الآن في السّماء أمّه!” أين وجد القوم في “الكتاب المقدّس” هذا الكلام غير المنطقيّ وغير الإنسانيّ؟ ألا يبقى آباؤنا آباءنا وأمّهاتنا أمّهاتنا بعد انتقالهم إلى الآخرة أو انتقالنا؟ أليس الله “إله أحياء لا إله أموات” وأليس “الكلّ له يحيون”، فيما تموت الأجساد فقط؟ (جامعة 12: 7).

 

خاتمة

“طوبى لك يا مريم البتول، المباركة في النساء” ، “المصطفاة المطهّرة” النقيّة المنتقاة! طوبى لك – كما هنّأتك نسيبتك أليصابات : “هنيئًا لك لأنّك آمنتِ بأنّ ما بلغك من عند الرب سيتمّ” (لوقا 1 : 45). “فأهّلينا لمدحك ايتها البتول القدّيسة وأعطينا قوّة على خصومك” المعادين لك ايتها السيّدة العذراء المرأة حواء الجديدة معاداة الحيّة ونسلها للمرأة النّاجية المحفوظة المستورة (تكوين 3 : 15)، أيتها “الملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر” والتي ولدت “الذي سيرعى الأمم بعصا من حديد” (رؤيا 12: 1 وتابع)، حديد المحبة وحديد الضّمير والحديد الذي فيه الحدّ “بين الحقّ والباطل وبين الخير والشّرّ”!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.