الأحد الثامن عشر أ : عيد التّجلّي السيّديّ 2017 م

“عيد التّجلّي يقول “للتّشويه” ولّي”

(دانيال 7: 9- 14، 2 بطرس 1: 16- 19، متّى 17: 1- 9)

(خواطر بقلم الأب د. بيتر مدروس)

رأت ليترجيّة هذا العيد أن تقدّم لنا مشهدًا نبويًّا عن المسيح المجيد الظّاهر “على غمام السّماء” (دانيال 7 : 13 ت)، وذلك بمناسبة تجلّي قدرته على “الجبل المقدّس” أي طور طابور (الّذي يدعوه الفلسطينيّون الجليليّون “الطّور”)، في حين يعتقد بعض اللّبنانيّين أنّ ذلك الجبل كان “حرمون” أي “الشّيخ”. وهذه المرّة يجمع صاحب المزامير الطّورَين: “باسمك يا رب يهتف طابور ابتهاجًا وحرمون” (مز 89 (88): 13 ب).

القراءة الأولى: نبوّة دانيال عن “ابن البشر”

وقف السيّد المسيح، مع أنه كان المتّهَم (بفتح الهاء)، موقف السيّد المفسّر الصّحيح للكتب المقدّسة أمام الكاهن الأعظم قيافا. واستشهد بنصّ دانيال كنبوّة عنه، هو “ابن الإنسان”. وهكذا رمى السيّد له المجد قنبلة أولى في صرح الكتبة والفرّيسيّين الّذين قرّروا أو سيقرّرون، نكاية بالمسيحيّين، أنّ دانيال ليس من “الأنبياء” بل من “الكتبة المقدّسين”. أمّا القنبلة السّلميّة الأخرى فكانت إعلان يسوع، “على رقبته”، أنّه هو بنفسه “ابن البشر الآتي على سحاب السماء”. وأدرك قيافا ضمنًا قصد يسوع النّاصريّ أنّ باقي نصّ دانيال يتمّ فيه هو أي يسوع، بمعنى أنه “أوتي سلطانًا ومجدًا ومُلكًا”. وسيشترك الجنود الرّومانيّون في إنجاز النبوّة من حيث لا يعلمون، إذ “سيضفرون إكليلاً من شوك ويضعونه على رأس يسوع” مستهزئين بمُلكه مستهترين بسلطانه، وهم يؤكّدونه بطريقة غير مباشرة. وسيتمادى الوالي بونطيوس بيلاطوس بتأكيد مَلَكيّة النّاصري رغم أنف الكهنة والشّيوخ والكتبة والفرّيسيّين، كاتبًا بأحرف حمراء كبيرة في ثلاثة ألسنة هي الآراميّة واللاتينية واليونانيّة “يسوع النّاصريّ ملك اليهود”. ولن يتراجع الرّومانيّ المستكبر العنيد عمّا كتب. أمّا ّ “جميع الشّعوب والأمم والألسنة (وهي من العبارات المحبّبة في سِفر دانيال) فإنهم يعبدون” المسيح ويخدمونه (معنى الفعل العبريّ “عبد עבד”)، وسلطانه أبديّ لا يزول، ومُلكه لا ينقرض”: هذا القسم الأخير من النّبوّة أعلنه المَلَك جبرائيل للسيّدة العذراء حين بشّرها بأنّها، على بقاء بتوليّتها، سوف تلد المسيح الملِك (عن لوقا 1 : 32- 33).

من النّص الأصليّ لنبوّة دانيال

لا يتشنّجنّ هنا القارىء العربيّ الكريم الأبيّ متوهّمًا أنّ الكلمات الآتية عبريّة “من لغة العدو”. بل الخطّ واللّسان آراميّان. وليست الكتابة المقبلة عبريّة بل آراميّة اقتبسها اليهود (أو سرقوها) لكتابة العبريّة في القرن الثّاني قبل الميلاد. أمّا “الخطّ العبريّ” القديم السّابق لهذه الكتابة فهو مأخوذ من الكنعانيّة الفينيقيّة أو مسروق منها. “ولكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا”، “والشّحادة عادة”، وعند بعضهم السّرقة “عبادة”!

هذه هي أقسام الآيات الّتي تعنينا من النّصّ الآراميّ لدانيال 7 : 13 وتابع : “” הזה הוית בחזוי ליליא וארו עם ענני-שמיא  כבר אנש אתה הוה … ולה יהיב שלטן ויקר ומלכו…”

“ورأيتُ (أنا دانيال) في رؤى اللّيل فإذا بمِثل ابن إنسان، آتيًا على سحاب السّماء… وأوتي سلطانًا ومجدًا…”

استشهاد يسوع في سبيل استشهاد واقتباس!

نعم، استشهد يسوع بهذه النّبوّة مؤكّدًا أنه هو نفسه “ابن الإنسان” المذكور في سِفر دانيال، وأعلن مشيحانيّته وسيادته وألوهيّته، على حساب حياته. ومات لتوكيد ألوهته وتوطيد مشيحانيّته. وحكم عليه الكاهن الأعظم بالإعدام لتهمة “التّجديف” أي الكُفر. وما أشبه اليوم بالأمس: يُحكم بالمجازر على مئات الآلاف من المسيحيّين، منذ عشرين قرنًا، من زمن قيافا وشاؤول الفرّيسيّ الطرسوسيّ وسابينا بوبيا زوجة نيرون الثّانية ويوليانوس الجاحد إلى أيّامنا بذريعة أنهم “كُفّار، مشركون” يعبدون ثلاثة آلهة. وهنا تأتي ضرورة “دفاعنا عن سبب الرّجاء الّذي في قلوبنا” (عن 1 بطرس 3 : 15) وإثباتنا للعبرانيّين والمسلمين وسواهم أنّنا موحّدون لا نعبد إلاّ الله، وأنّنا ما “ألّهنا” إنسانًا في اعتقادنا بتجسّد الإله، إذ لا نؤمن بجسد صار “كلمة”، بل بكلمة الله الّذي صار جسدًا (عن يوحنا 1 : 1 و 14). كما لا نعبد لا السيّدة العذراء ولا الصّور والتّماثيل أصنامًا ولا “آلهة من دون الله”.

 

موت يسوع وموت لسانه الآراميّ الأمّ في فلسطين والأردنّ وسورية ولبنان وجزء من العراق

حتّى القرن السّابع الميلاديّ كان سكّان هذه المنطقة ينطقون الآراميّة (ومثلهم أهل قرية “معلولا” في سورية إلى اليوم) أو الآراميّة المسيحيّة أي “السّريانية” بصيغتها الشّرقيّة (وهي ال”سوراث” إلى أيّامنا لدى الأشوريّين والكلدان والسّريان  العراقيّين) أو الغربيّة من سريانيّة ومارونيّة. ولكن رويدًا رويدًا حلّت العربيّة محلّ الآراميّة والسّريانيّة في الحياة اليوميّة (إلاّ في الطّقوس الدينيّة)، وكنّا نودّ أن ننطق بلسانَين بدل لسان واحد، خصوصًا أنّ اللّسان الّذي فقدناه هو لغة المسيح الأمّ.

قدرة ربّنا يسوع المسيح ليست “خرافات مزخرفة” ( 2 بطرس 1: 16 – 19)

حرفيًّا ليست “خرافات سفسطائيّة”. والسّفسطة كلمة يونانيّة معرّبة تعني “فلسفة مزيّفة” وفذلكة تبدو منطقيّة سليمة. وكم من الأكاذيب والافتراءات تُنشر ونُشرت في شأن السيّد المسيح والعذراء المباركة والإنجيل المقدّس والكنيسة. ويبدو للسّامع الغافل أنّها منطقيّة عقلانيّة معقولة. وهاكم مثلاً على “سفسطة” من البدعة اليهوديّة الصّهيونيّة الأمريكيّة المدعوّ أتباعها “شهود يهوه” وذلك في نفورها الشّيطانيّ العبريّ من الصّليب:

” إذا قتل أحدهم شقيقك بمسدّس، أتكرم أنت ذلك المسدّس؟ فكيف تكرمون الصّليب يا معشر أتباع إبليس؟!”

هنا “يُبهر” السّامع السّطحيّ الغافل غير المُعدّ ولا المستعدّ. أمّا “السّفسطة” فإنها تكمن في تشبيه شقيقي بالمسيح! وثانيًا: نعم، كنتُ لأكرم ذلك المسدّس إذا أدّى اغتيال شقيقي إلى تحرير فلسطين! أي يتحوّل المسدّس (على مثال الصّليب) من أداة قتل إلى وسيلة خلاص وتحرير. وعلى فكرة، منطق “شهود يهوه” يهوديّ بحت يرى الصّليب “حجر عثرة” وهو موقف وثنيّ يَعُدّ الصّليب جنونًا (كما فضح مار بولس الموقفَين العبريّ والأمميّ في 1 قور 1 : 17 وتابع). ونسألهم، بلا سفسطة، أليس حقًّا جنونًا قاتلاً رفض نقل الدّم؟

“تجلّى يسوع أمام بطرس ويعقوب ويوحنّا” (متّى 17: 1- 9)

يقول مَثَل مسيحيّ فلسطينيّ وأردنيّ: “عيد التّجلّي بيقول للصّيف ولّي”. والمَثَل دليل على عمق إيمان شعبنا وارتباطه بالرّبّ وبالأرض وعودته إلى الأعياد مرجعًا ليس فقط دينيًّا واجتماعيًّا بل زراعيًّا أيضًا.

مفروض أن يكون عيد تجلّي الرّب لنا وفينا نهاية “التّشويه” و “التّشنيع” والتّخبيص” الّتي نقوم بها أحيانًا فيأخذ غير المسيحيّين فكرة سلبيّة ليس فقط عنّا – وهذا منطقيّ- بل حتّى عن ديانتنا المسيحيّة. صحيح أنّ خطوتهم غير مشروعة ولكنّ الحقّ علينا فيها. ونحن نخطىء عندما نتحوّل عن “مجد الله في وجه المسيح يسوع” ويكفّ “النّاس عن رؤية أعمالنا الصّالحة وتمجيد أبينا الّذي في السموات”.فليقل عيد التّجلّي للتّشويه والتّشنيع والتّخبيص “ولّي”.

خاتمة

“وسط جيل معوجّ فاسد” أعانتنا نعمة المسيح “أن نضيء كالنّيّرات” (فيليبّي 2: 15).

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.