أفضال الأعياد على العباد 14 يناير 2018 م

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

شاءت العناية الإلهيّة أن تقوم الأعياد الدّينيّة  احتفالاً بمناسبات مقدّسة مأثورة ودعوة إلى التّعبّد والإحسان والوئام وانشراحًا لصدور المؤمنين وسط هموم هذه الحياة وأحزانها، وغبطة للأطفال خصوصًا المحرومين البائسين، وتجمّعًا  للأسرة وتصالحًا أوّلاً مع الله ثمّ مع الجار والقريب والبعيد. وفي ألاعياد حكمة إلهيّة تذكّر الإنسان ابن النّسيان بحيث “تنفع الذّكرى” ويعود العيد ويُعيد ويحيي حوادث مقدّسة ما اندثرت في غبار الأيّام بل بقيت في القلب والذّاكرة والمغزى والدّرس والعبرة. وقول بعضهم أنّ “كلّ يوم عيد” تغظية لرفضهم للأعياد. فلو فرضنا جدلاً أنّ “كلّ يوم” هو عيد الميلاد وعيد القيامة وعيد الأضحى وعيد الفطر ويوم الأب وعيد الأمّ وعيد الوطن وعيد الأسرة وعيد المرأة وعيد العمّال…”، لما احتفلنا بأيّ من هذه الأعياد إذ تطويها الحياة اليوميّة ومحال أن نذكرها كلّها ونُحييها كلّ يوم!

رماد في العيون بعبارة “المسيح صاحب كلّ الأعياد”

تدلّ هذه الكلمات على عدم مراعاة لغير المسيحيّين إخوتنا، فالمسيح صاحب الأعياد المسيحيّة وليس “صاحب كلّ الأعياد” كافّة، بشكل مطلق. والمسيحيّة الحقيقيّة، منذ عهد الرّسل، كانت تحتفل أيضًا بأعياد للسيّدة العذراء ومار يوسف والرّسل والشّهداء. فالسيّد المسيح هو “رأس الجسد الّذي هو الكنيسة” وليس رأسًا بلا جسد.

وما أجمل القول أنّ” المسيح صاحب كلّ الأعياد” المسيحيّة! ولكن تكون العبارة جميلة وصادقة فقط عندما يحتفل كاتبها بالأعياد المسيحيّة، غير أنّه في الواقع – لا هو ولا جماعته- لا يحتفلان بأيّ عيد مسيحيّ ولا يعترفون بالتّقويم الميلاديّ بل بالتّقويم “القمريّ” أي اليهودي بمناسبة “العشاء التّذكاريّ”. والّذي يعترف “بالأعياد” يُهنّىء بها، وهذا ما لا يفعله باستمرار كاتب مقالات يكون الوحيد فيها الّذي لا يهنّىء أبدًا ولا يستمطر البركات، لا بعيد مسيحيّ ولابعيد إسلاميّ. ومن شابه أباه فما ظلم، إذ لا يهنّئنا بأعيادنا المسيحيّة والإسلاميّة اليهود المتشدّدون. ويشعر المرء بالفرح والسّلوى، من جهة، ومن جهة أخرى بالحزن والخجل والإحراج عندما يهنّئنا الإمام الأكبر للأزهر ويرفض تهنئتنا قوم يتوهّمون أنّهم مسيحيّون خصوصًا في منطقة “حقل الرّعاة” ، كأنّ المَلَك ما قال لرعاة بيت ساحور: “إنني أبشّركم بفرح عظيم يعمّ الشّعب كله: اليوم في مدينة داود… وُلد لكم مخلّص”!

أصول الكتابة لمواطنينا أحبّائنا المسلمين!

طبعًا، يسرّنا نحن المسيحيين العرب أن نكتب لمواطنينا وإخوتنا “غير المسيحيّين”، في الوطن الواحد. وتقضي الحكمة والنّزاهة والاتّزان والمودّة ألاّ أن نكتب أمورا سلبيّة ولا أن نعكّر الأجواء ولا أن نخالف الإنصاف والاعتدال بلفت الأنظار إلى بعض القوم من المسيحيين – الذين هم نفر قليل- لا يعرفون من العيد إلاّ المظاهر الخارجيّة. فأولئك أنفسهم أناس طيّبون مؤمنون ومواطنون صالحون يعاملون النّاس بالحسنى يموتون في سبيل أطفالهم ويذهبون إلى الكنائس خصوصًا في الأعياد أو ربّما في الأعياد فقط، وذلكم أضعف الإيمان وأفضل مليون مرّة من لا شيء! ولكن مع الأسف في كلّ أمّة بشر خارجون عن أصول الدّين. وقد ابتُلينا نحن المسيحيين بحركات غربية أمريكية لا تكرم السيدة العذراء ولا تهنّئها، بخلاف نبوّتها الخالدة: “ها منذ الآن تطوّبني (أي تهنّئني) جميع الأجيال” (لوقا 1 : 48). وهذه جماعات، مع الاحترام لأتباعها، تنكر الكثير من عقائدنا، مع أنّها مبنيّة على الكتاب المقدس. فإذا جاز أو وجب  من أجل أحبّائنا غير المسيحيين إيضاح هوية المسيحيين غير الحقيقيين، فلا يليق فعل ذلك في الأعياد لئلاّ تفثقد شيئًا من قدسيّتها ورونقها وعميق مواعظها. وإذا قضت الضّرورة للتبيان والإيضاح، فقد أعلنّا من هذا المنبر الأغرّ أنّ المسيحيّين الحقيقيّين يحتفلون بالأعياد المسيحيّة (وهذا بديهيّ) في حين أنّ قومًا آخرين، خصوصًا من أتباع الولايات المتّحدة، لا يحتفلون على الإطلاق بأيّ عيد مسيحي ولا يهنّئون بالأعياد، لا في الصُّحُف ولا في الحياة الاجتماعية، ولا إكرام عندهم لمقدّساتنا المسيحيّة التي هم عنها غائبون والّتي تحرسها الكنيسة منذ عشرين قرنًا. وقد أعطانا أمير الرّسل بطرس ملامح تلك الجماعات: “كما قام في الشّعب أنبياء كذبة، كذلك يقوم بينكم معلّمون كذبة يدسّون بدع هلاك… ويجعلون منكم، بزخرف الكلام، تجارة ( 2 بطرس 2: 1 – 2)، إذ “ينكرون السيّد الذي افتداهم” .ولا حقّ لهم في تفسير الكتاب المقدّس لأنهم يتبعون “تفسيرات فردية” (2 بطرس 1 : 20) وهم “لا علم عندهم ولا رسوخ” (2 بطرس 3 : 15-16) أي لا ينتمون إلى جذور المسيحيّة العريقة بل جماعات دخيلة نشأت في أمريكا في القرن التّاسع عشر. ومن الدلائل الجليّة والمحزنة في نفس الوقت على أنّهم ليسوا مسيحيّين حقيقيّين أنّ تأسيسهم وإداراتهم وتمويلهم من الغرب غير الرسوليّ أي ألمانيا وإنكلترا وسويسرا والولايات المتّحدة. وبعض الفئات نشأ مؤخرًا في استراليا في الخمسينات من القرن الماضي. كما أنّهم، مع الأسف الشّديد، في مدرسة التّلمود اليهوديّ، لا يكرمون السّيّدة العذراء، وبالفعل لا تجد أيّة تهنئة ولا إشادة بالعذراء والدة المسيح حتّى بمناسبة عيد الميلاد (الذي لا يعترفون به ولا يحتفلون به أصلاً). وكانت جامعة الدول العربيّةسنة 1965 قد حظرت أي منعت عددًا من تلك الحركات الأمريكيّة الدّخيلة التي تألّقت صهيونيتها مؤخّرًا في البيت الأبيض.

المعاداة  عند بعض “المسيحيّين” المحدثين لشجرة عيد الميلاد خارج بيت لحم!

وينتقد أحدهم – من الّذين يتوّهم القوم أنهم “مسيحيّون”، ينتقد المدن والقرى التي تقيم شجرة لعيد الميلاد، كأنّ في الأمر عيبًا أو انحرافًا. ولكن الواقع مخالف ذلك، فالميلاد ليس فقط لمدينة بيت لحم ولا لفلسطين وحدها، وكلّنا كمسيحيّين ومسلمين نعترف بابن مريم مسيحًا وكلمة لله، بخلاف اليهود الذين إمّا أسّسوا تلك الفئات أو اندسّوا في صفوفها. وهذا معروف عنهم، “ولكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا”.

وليس صحيحًا أنّ “الاحتفال بميلاد المسيح ليس مقصورًا على يوم واحد في السّنة”. بلى، العيد يعود مرّة واحدة في السّنة، في 25 ديسمبر كانون الأوّل حسب التّقويم الغريغوري ويوافق 7 يناير كانون الثّاني حسب التّقويم اليولياني. ويأتي عيد  الميلاد عند الأرمن الأرثوذكس مع م عيد “الظّهور السيّديّ” أو الغطاس،”مولودًا معمودًا”. لذا،  خطأ القول أنّ “العيد ليس مقصورًا على يوم واحد”، فإن كان “العيد” كلّ يوم فما بقي عيدًا.  وبالفعل، كاتب تلك الكلمات، مثل الجماعة وراءه، لا يحتفلون بأيّ عيد مسيحيّ، لا للميلاد ولا للقيامة ولا لسواهما.

كلام كثير خارج عن الميلاد ومعانيه

ويلحظ المرء في أحد المقالات حديث صاحبه،”البعيد”، عن العيد وعن الميلاد، بتلميح هو “رفع عتب”، ولكن من غير أيّ حرف عن حدث الميلاد ولا عن العذراء الوالدة. ويكتب الكاتب عن أمور أخرى لا علاقة لها بمولد السّيّد المسيح، هربًا من الميلاد وعيده، مثل عمل مشيئة الله والباب الضيّق وتطهير المسيح لرجُل أبرص… صحيح أنّ مقالاً أورد نبوّة ميخا عن مولد المسيح في بيت لحم، ولكن لا حرف عن الميلاد الموعود المتنبأ به ولا عن “الوالدة” المذكورة في نبوّة ميخا نفسها، الفصل الخامس الآية الثّانية. ولا تفسير لذلك النّفور – والعياذ بالله – من السيّدة العذراء مريم سوى الأصل اليهوديّ التّلموديّ.

عندما ترحل الإنسانيّة والمجاملة وحسن المعاملة والمعايدة عند بعض “المسيحيّين”

ويحزن المرء عندما يرى، مع قدس الأب الرّاحل يعقوب حنّا سعادة، إصرار بعض القوم على الخطأ والشّطّ وعناد الاعتراض وقساوة القلب. فقد بيّن المرء مرارًا وتكرارًا، من هذا المنبر الأغرّ أيضًا، أنّ المسيح لم يكن “فدية” لأنّ “الفدية” شيء مادّيّ يُدفع ثمنًا لتحرير عبد أو أسير، بل هو – حسب الإنجيل- الفادي الذي أتى فداء للبشريّة. أمّا قول بعضهم أنّ “المسيح كان في السموات” فهذا إخفاء لهرطقة أي بدعة خطيرة – لعلّ أصلها أيضًا من يهود- ادّعت أن المسيح قبل التّجسد كان أحد الملائكةوبالذّات ميخائيل. ويقرأ المرء هذا الخطأ في كتابات مجموعة أمريكية يقول أتباعها منذ سنة 1931 أنهم يشهدون لله . ورد في مجلّتهم الرّسميّة “برج صهيون للمراقبة ” (وليقرأنّ المرء المكتوب من عنوانه) أنّ “المسيح كان أحد الملائكة” قبل التّجسّد (“برج المراقبة”، في 1- 3- 2013، ص 16، الطّبعة الفرنسيّة). ويستمرّ الخلط الذي لا يلحظه خلق كثير في العبارة التّالية: ” (المسيح) وُلد كإنسان كامل معادلاً لآدم حتّى تتمّ الفدية”. أوضحنا أنّ لفظة “الفدية” مغلوطة ويجب أن تكون “الفداء”. ثانيًا، هنالك تقليل من قدر السيّد المسيح – حاشى- عندما يُشبّه بآدم، حتّى قبل الخطيئة. والتّشبيه عقيم وباطل كقول أحدهم – والعياذ بالله: “كانت زوجتي مثل العذراء مريم – حاشى- قبل أن تزوّجنا”. مثل هذا الكلام  يصفه الإسلام وأمثاله بأنّه من صفات “الرّويبضة” أي أنّه – مع الاحترام- غير عاقل وضارّ وخطير ولا طائل منه ولا فائدة. ولا تقوله إلاّ  مجموعة أمريكية يهوديّة الاتّجاه والتّمسيات إذ كلّ أسماء أجهزتها يهوديّة عبريّة من العهد القديم.طبعًا، يعرف المرء، في الإسلام والمسيحيّة، أنّ الله خلق “الإنسان في أحسن تقويم” (سورة التّين 95: 4)ولكن “عصى آدم ربّه فغوى” (سورة طه 20 : 121) وجرف وراءه البشريّة بحيث أنّ الله لم يقل لآدم وحوّاء “اهبطا” في المثنّى بل في الجمع “اهبطوا”(سورة البقرة 2: 36). فما الفائدة من قول أي امرىء أنّ آدم كان بريئًا كاملاً وأنّ المسيح وُلد مثله، وبراءة آدم صارت في خبر كان.

وهم وخيال: العيش على الأرض بلا شرور ولا موت!

أمّا القول أنّنا “سنعيش حياة بدون حروب ولا مرض ولا موت عندما تصبح الأرض جنّة” فهذا كلام خياليّ وغير واقعيّ ويخالف الإنجيل المقدّس الّذي نبّهنا أنّ الزّؤان أي الشّرّ سيبقى بقرب القمح أي الخير حتّى “يوم الحصاد” أي  نهاية الدّهر (متّى 13: 39). وهذه نظرة واقعيّة تدلّ على حكمة السيّد المسيح ونظرته الثّاقبة للحقيقة، بعيدًا عن الأحلام والأوهام. وما ورد في الكتاب المقدّس أنّ الجنّة ستكون على هذه الأرض التي يكتب مار بطرس عنها أنها “ستنحلّ مع جميع العناصر” إذ “ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة” (2 بطرس 3: 10 – 13). فالمجموعة التي تؤمن بذلك تعتقد أنّ 144000 شخصًا فقط سينعمون بالسّعادة الأبديّة في السماء. ولكن هؤلاء ال 144000 هم فقط من اليهود (رؤيا 7: 4-8). ولا تقرأ تلك الجماعة الآية التالية أي التّاسعة أو تتغافل عنها (لصالح اليهود طبعًا)، وهي إنّ الرّائي يوحنّا “رأى جمعًا غفيرًا من كلّ أمّة وقبيلة وشعب ولسان واقفين أمام العرش” أي في السّماء.

ولتلك الجماعة كتاب سمّوه “يمكنكم أن تحيوا إلى الأبد في الفردوس على الأرض” ورد فيه، في ص 206  رقم 10،أنّ  الوصايا العشر باطلة (!) : “إنّ المسيحيّين ليسوا تحت الوصايا العشر…”. وكان قد جاء في كتابهم “ليكن الله صادقًا”، ص 221، رقم 13: “ينطوي ما تقدّم على القول بأنّ عهد النّاموس القديم المتضمّن الكهنوت اللاّويّ قد أُلغي أيضًا. ويدلّ أيضًا على أنّ الوصايا العشر، وهي جزء لا يتجزّأ من النّاموس، قد بطلت ببطلان ذلك العهد”!

 

خاتمة

ليس شعبنا العربيّ سطحيًّا ولا يخلط حتّى صغاره بين العيد ومعانيه الرّوحانيّة الدّينيّة والأخلاقيّة والعائليّة والاجتماعيّة وبين بعض المظاهر الخارجيّة التي استغنى عنها شعبنا، بطيب خاطر، في هذه السّنة، وقد فُجعنا بقرار الرّئيس الأمريكيّ. فما كانت هنالك أيّة حاجة، على الأقلّ هذه السّنة، لأي كاتب في الصُّحف أن يتفلسف على أعيادنا وهي دينيّة جوهرًا وأصلاً ومضمونًا. وما احتفلنا إلاّ دينيًّا وغطّى الحزن مدننا وقرانا ومخيّمات لاجئينا وهيئات الغوث وقد عمدت الإدارة الأمريكيّة إلى تقليص القليل الّذي كانت تقدّمه لهم. وأثبتت بلديات منطقة بيت لحم وكلّ أهليها، من مسلمين ومسيحيّين، تمييزها بين رجال الدّين الّذين يشترون المقدسات ويحرسونها، مثل المدبّر البطريركي  اللاّتينيّ المطران بيتسابالاّ وحارس الأراضي المقدّسة الفرنسيسكاني الأب فرنتشيسكو باتون، ورجال “الدّين” الّذين يفرّطون بالأراضي وبعض المقدّسات. وبدل الانتقاد لمسيحيّينا المحتفلين بالأعياد، “لنشدّنّ على أياديهم” كما كان يصرخ الشّاعر الفلسطينيّ الأصيل والمناضل رئيس بلديّةالنّاصرةالأسبق توفيق زيّاد. ولنشجّعنّ الفلسطينيّين، من مسلمين ومسيحيّين، مقبّلين “الأرض تحت نعالهم”، متوسّلين بدموعنا وجهودنا كي يصمدوا ويثبتوا في هذه الأرض الطّهور، كما تفعل الكنيسة الكاثوليكيّة بمشاريع إسكانها ومدارسها ومؤسساتها، بخلاف تلك الجماعات الأمريكيّة التي تشجّع على الهجرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا تقدّم أيّة خدمة اجتماعيّة، فهي “حلوة اللسان قليلة بل عديمة الإحسان”. وبرحمة الله، لتعودنّ الأيّام المقدّسة بلسمًا لجراحنا ونصرًا لقضيّتنا وجبرًا لقلوبنا الكسيرة!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.