ماذا حلّ بنا بعد سبعين سنة

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

كان المرء يتوقّع أو يتمنّى من شعب تألّم أو تعرّض “لمحرقة” أن يشعر مع غيره من المتألّمين المظلومين المقهورين المحتلّين، ومن قوم ذاقوا مُرّ العبوديّة ألاّ يستعبدوا غيرهم “وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” ولا يستبعدوهم من أوطانهم. وبصراحة شُرح صدر المرء إذ شهد في حيفا مسيرة تعيد ذكرى النّكبة وتَحَوِّل ثلاثة أرباع شعبنا الفلسطينيّ المسكين إلى لاجىء سنة 1948.كما يبتسم المرء عندما يسمع تضارب آراء “أبناء عمّنا” في شأن “المتسلّلين اللاّجئين” ومن العبرانيّين من تتفطّر قلوبهم حزنًا على المهاجرين بحيث يرفض نهائيًّا ترحيلهم، وذلك “لدوافع إنسانيّة” ما شهدناها ولا حلمنا بأن نراها منذ سبعين سنة، حيث ما تمّت إعادة لاجئين فلسطينيّين، وكأنّهم من درجة ثانية في البشريّة، بناء على تعليمات تلموديّة مفادها أنّ الجوييم أي غير اليهود تمّ خلقهم لخدمة اليهود فقط (اريجيت راشي أرود 22، 30، يباموت 98 أ، 61 أ، يوره ديا 377، 1، كريتوت 6 ب، كتوبوت 110 ب، أوراخ حاييم 22 (5)، 10، لوحوت هبريت 250 ب). أمّا الحاخام الأكبر الشّرقيّ السفاراديّ يتسحاق عبديا يوسيف فقد وضع لنا، معشر العرب، سبعة شروط كي نستطيع أن نستمرّ في أن نعيش “في أرض اسرائيل” أي أن نحافظ على “شرائع نوح من منع لعبادة الأصنام (!) والتجديف والقتل والسّرقة والعلاقات الجسديّة المحرّمة وأكل لحوم من حيوانات حيّة”، كأنّ المنكرات نفسها لا توجب طرد اليهوديّ الّذي يقترفها. وأضاف الحاخام المذكور: “يجب نفي كلّ عربيّ أو “جوي” مخالف… إلى السّعوديّة: سنفعل عندما يتمّ الفداء الكامل ويأتي الماشياح”. أمّا خطاب “الدّولة اليهوديّة” فها نحن نسمعه مرارًا وتكرارًا، ومنّا من لم يدرك خطورته بعد.

“أنا فخورة بدولتي!”

ليس كلّ الحقّ على غيرنا، كما تعوّدنا أن نفعل في حياتنا، منذ آدم وحوّاء وفي مناهج تاريخنا المدرسيّ! فنحن أيضًا مخطئون مذنبون، ومن أخطر أمراضنا ال”أمنيزيا” اي “فقدان الذّاكرة”. ما كادت تمرّ سبعون سنة أو أقلّ حتّى “نسي” خلق كثير من فلسطينيّي سنة 1948 أنّهم فلسطينيّون. وصار بعضهم يتكهرب من هذا الاسم أو يتشنّج أو ينتفض متبرّئًا منه: “أنا لستُ فلسطينيًّا! أنا عربي إسرائيلي!” أو : “أنا إسرائيلي” (حاف) “واللي فات مات!” (مَثَل كان يحلو للهيودي الأمريكي هنري كيسنجر الاستشهاد به). وهكذا، كان خطّ هدنة سنة 1948 كافيًا ليجعل أحد شقيقَين “فلسطينيًّا” من “المساخيط” (من عبارات الرّئيس السّادات) والآخر “عربيًّا إسرائيليًّا”! وأذكر تلك الفتاة الحيفاويّة التي كان يحلو لها أن تردد، وكأنّها أصابت مغنمًا كبيرًا: “أنا فخورة بدولتي”. وما كان من أحدهم إلاّ ردّ عليها: “بإمكانك دومًا الافتخار، ولكن أذكري أنّ هذه ليست دولتك أنت، أيّتها “المقيمة” العربيّة، بل دولة اليهود”. وما أنسَ لا أنسَ ذلك الكاهن الشّابّ النّصراويّ الّذي نبّه الدّاعي، ونحن في طريقنا إلى مطار اللّد (الّذي دعاه “بن غوريون” حسب مدرسة معلّميه اليهود!): “عندما نقرب من المطار، لا تعد تكلّمني. فأنا لا أعرفك. أنت فلسطينيّ (من شرقي القدس) وأنا إسرائيليّ أحمل جواز سفر إسرائيليًّا له قيمة كبيرة. أنت بحاجة إلى تأشيرة إلى ألمانيا، وأنا لستُ بحاجة! أنت مقيم، وأنا مواطن. رجاءً، لا تزعجني ولا تحرجني!” ولكن لسوء حظّه طالت توصياته بحيث مررنا بقرب الحاجز وهو ينبّه ويحذّر وينظّر فأوقفته الشّرطيّة العبريّة واستجوبته على أيّ أساس يخاطب عربيًّا ويخالط “أهل الضّفّة الغربيّة” أو “أهل المناطق”. وما شفع له لا جواز سفره ولا “جنسيّته” وهويّته الزرقاء ولا ولاؤه لنجمة داود وشمعدان الهيكل المدمّر!

عائلات “عربيّة” لا تتكلّم في البيت إلاّ العبريّة وشباب أوّل مناولة واعتراف لا يعرفون العربيّة في يافا واللّدّ والرّملة وسواها

كما يقول مار بولس: “أصدّق هذا بعض الشّيء”، بل اصدّق تمامًا. فما عدنا، نحن أهل القدس الشّرقيّة والضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة، نفهم عندما يتكلّم بعض عرب “الدّاخل” وقد أصبحنا نحن “من الخارج”: كلمة عربيّة وإحدى عشرة عبريّة! أمّا ذلك الأب الكاهن الفاضل فقد أكّد لنا ما كنّا نشكّ فيه أي أنّ أجيالاً جديدة كاملة من “العرب” لا يعرفون العربيّة “إلاّ أماني” أو بالمرّة، أو يفهمونها بالقطّارة ولا يكتبون ولا يقرأون لسان الضّاد، بحيث اضطرّ إلى تفسير الاعتراف والتّناول في العبريّة!

أمّا من بين شبابنا من سكّان القدس الشّرقيّة وحتّى الضّفّة الغربيّة، فقد “كسر بعضهم آذاننا” بالموسيقى الصّاخبة والأغاني المنطلقة من سيّاراتهم المفتوحة… باللغة العبريّة، كأنّ لا مطريبن عندنا ولا تراث فنّي غنائيّ، وقد “تجلّوا” على أنغام الاحتلال وطربوا على أصوات الخصوم!

أين الثّقافة والتّاريخ والدّين والأخلاق؟

أمّا التّمثّل بكثير من تصرّفات اليهود، فحدّث ولا حرج.

ولكن أمام هذا الجحفل من المتنكّرين لفلسطينيّتهم الخجولين من عروبتهم العاشقين لدولة عبريّة تمتهنهم ولكيان عسكريّ سياسيّ طردهم وشرّدهم قبل سبعين سنة فقط، هنالك لحسن الحظّ وطنيّون وقوميّون أحرار رفضوا الرّكوع ونبذوا الخضوع وبقوا فلسطينيّين وعربًا، مهما كان الثّمن. وسُجن بعضهم واستشهد بعضهم الآخر ونُفي آخرون (لأنهم ليسوا اثيوبيين ولا اريتريين!). وقام أفراد ومؤسسات بدراسات تاريخيّة ثمينة يجب ألاّ يضيع منها شيء. وهكذا من الجليل إلى جنوب الخليل والنّقب، قامت مؤسسات عريقة بحثت عن التّراث وتاريخ أصغر القرى. وقامت صحيفة “القدس” الغرّاء- وما زالت – بنشر سلسلة طويلة من المقالات والصّور عن المدن والقرى الفلسطينيّة المهجّرة. وكثرت المراكز الوطنيّة ومنها “اللقاء” و”السّبيل” وجمعت بقلب فلسطينيّ واحد أصيل أبناء فسوطة وبيسان وحيفا والنّاصرة وعكّا وصفد وبيت لحم والقدس والخليل والنّقب ومن استطاع القدوم من أهل غزّة، رافضة التّقسيمات الأمميّة والتمزيق الّذي فرضته الحروب، من نكبة ونكسة، لتُجمع على فلسطين واحدة لا تميّز ولا تفصل بين 1948 و 1967 وبين ضفّة وقطاع.

ويضيق هنا المقام لذكر شخصيّات فلسطينيّة ماثورة مؤثّرة رفعت لواء فلسطين التّاريخيّة ونادت بحقوق شعبنا، مع الظّلم الّذي تلحقنا به “أكبر ديمقراطيّة في العالم” وهي الأمريكيّة المنحازة. ولئلاّ يخدش المرء تواضع مناضلين هم أحياء يُرزقون، يكتفي بالإشارة إلى بعض الذين سبقونا إلى الأبديّة بعلامة الإيمان والوفاء أمثال المطران الحجّار وتوفيق زيّاد وإميل حبيبي والدّكتور جريس سعد خوري…

يا عرب، تكلّموا العربيّة!

كيف نقبل أن ندفن لسان الضّاد متشدّقين بمعرفتنا للعبريّة، وهي لغة فقيرة نسبيًّا وحديثة أحياها إليعيزر بن يهودا الّذي سُمّي على اسمه شارع في كلّ مدن أراضي سنة 1948؟ وكم لقي بن يهودا من المعارضة لدى “اليهود المتديّنين” الّذين ، خصوصًا من قوم الخازار القوقازيّين، رفضوا أن يتكلّموا “اللسان المقدّس” خوفًا من تدنيس لغة التّوراة وسائر العهد القديم! وما زال خلق منهم كثير يرفض الكلام بالعبريّة وينبذ الجنسيّة الإسرائيليّة إلى حين قدوم “الماشياح”. واليوم أدركنا أنّ من حسن حظّنا نحن “الجويم”، على ذمّة يتسحاق عوبديا يوسيف، أنّ “الماشياح” تأخّر عن المجيء وإلاّ لا يبقى منّا أحد “ولا مخبّر” نحن المساخيط!

خاتمة: “مصائب قوم عند قوم فوائد!”

مصيبتنا أنشأت لهم دولة ونكبتنا أعطتهم “مكانًا تحت الشّمس” ووطنًا على أرض أجدادنا. أمّا نكستنا فزادتنا هوانًا وصغارًا. واليوم تدمّر ثلاثة ارباع العالم العربيّ من حولنا، وللكيان العبريّ ضلع في ذلك. وما أصدق أحد المفكّرين اليهود النّزهاء الّذي قال، وأحسبه مئير شاليف: “إنّ احتلالنا لأراضٍ سنة 1967 مضيعة للوقت وهدر لطاقات هائلة وتبذير لإمكانيات كبيرة تذهب أدراج الرّياح، إذ صارت أيدينا على السّلاح بدل أن تتتركّز على العمل والزّراعة والبحث العلميّ والأدبيّ والتّميّز التقنولوجيّ، بخلاف تقليدنا اليهوديّ العريق”. أمّا أعضاء حركة “ناطوري كرتا” أي “حرّاس المدينة” فلا يعترفون بالكيان العبريّ بل بفلسطين ويريدون إنصاف شعبنا المسكين. ولا يمنعهم تديّنهم من إحقاق الحقّ ونبذ العنف والظّلم والاحتلال.

هذه أنوار وسط الظّلمة من أصحاب الضّمائر القويمة والطّوايا السّليمة، ولكنّهم مع الأسف أقلّيّة تخنقها أكثريّة نرجسيّة ما زالت تتباكى على صدر المانيا وهي تضرب شعوبنا، وتشكو وتئنّ وهي تقصف العزّل. وبما أنّ الإصلاح يبدأ بالنّفس، فلتعدنا ذكرى النّكبة إلى جذورنا ولتذكّرنا بتاريخنا ولتتعلّق بمدننا وقرانا المدمّرة قلوبنا ونحن لا نعود إلى بعضها إلاّ أمواتًا! ولتغلب الذّكرى النّسيان والأمانة  الخيانة والأصالة العمالة! ولا يغيّرنّ “لا موت ولا حياة” ديننا ولا أخلاقنا ولا تقاليدنا ولا حضارتنا ولا لغتنا، فنسلّم أولادنا وأحفادنا ما تسلّمنا “وديعة من الإيمان والخلق القويم” ثمينة هي فخرنا وسط مشقّتنا ورجاؤنا في الله وسط شدّتنا وسلوى وسط نكبتنا وتعزية بعد نكستنا، حيث نسعى لوحدة بعد انقسام ووئام بعد خصام!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.