إكرام السيد المسيح الأثيل لوالدته البتول

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

قد يتساءل القرّاء الكرام عن كثرة المقالات في هذه الفترة عن سيدتنا مريم البتول أمّنا دائمة العذريّة.  والجواب اننا نحتفل في هذه الأيام بعيد رقاد السيدة وانتقالها الى الأمجاد السماوية نفسا وجسدا، وثانيًا بسبب أفكار غريبة، تلمودية الأصل، حتى من شرقنا الذي نسي بعض بنيه الذكور قيمة الطفلة والفتاة والبتول والزوجة والوالدة.  لذا تأتي هذه السطور، بلا ادعاء ولا احتكار، دفاعابوداعة ووقار” ليس فقط عن قدر السيدة العذراء مريم بل ايضا عن الطفلة والعذراء والزوجة والأمّ التي طالما ظلمَتها في الماضي مجتمعات ما رأت فيها الا وسيلة للإنجاب. وشخصيا لا استغرب ان تكون لمعشر الذين يحاولونحاشى أن يقلّلوا من شأن العذراء مريم أن تكون لهم مشكلة عويصة حتى مع والداتهم ومع المرأة بشكل عام.  وإذا تذرّع بعض المسيحيين بأنّ السيد المسيح هو السيّد والمخلّص والوسيط ليحطّواوالعياذ بالله –  من قدر والدته الطهور، فإنّ العقل السليم والإيمان القويم يذكّران كلّ لبيب ونزيه أنّ هذه المزايا لا تلغي عند يسوع انسانيّته التي بموجبها كان ابن مريم ويبقى. وما اجمل كلمات الشهيد القديس البولندي” مكسيميليان كولبه” : “لا تخف ان تحب سيدتنا مريم العذراء، لأنك مهما احببتها فلن تحبها مثلما أحبّها ابنها المسيح” . ونزيد:  “لا تخف أن تكرم سيدتنا مريم البتول، فلن تستطيع أن تكرمها أكثر ممّا فعل ابنها. وسنعود لاحقًا إلى هذا الإكرام السيدي للسيدة.

 

اعتراض:  انتهى دور العذراء بعد ان ولدت المسيح

اذا فكر المرء قليلا في هذا الاعتراض، وجده، مع الاحترام لأصحابه، دليلا على أمور سلبية كثيرة يكفينا أن نشير منها الى جهل في الإنجيل الطاهر، وانحراف خطير ينسف الأمومة التي لا تنتهي بالولادة بل تبدأ امام الله والنَّاس والتاريخ.  حسبنا ان نقرأ الإنجيل في حرفه الرابع كما ألهمه الله وأوحى به الى التلميذ الشاهد الحبيب يوحنا ( الفصل التاسع عشر الآية الخامسة والعشرين وتابع ).  الخلاصة أنّ أمومة العذراء ما انتهت حتّى برحيل يسوع، إذ أكرمها وأعطاها أمومة روحانية لأحبّ التلاميذ إليه.  أمّا من ناحية بشرية، فالوالدة التي ينتهي دورها بالولادة ليست أمًّا جديرة، وحاشى لأمّ المسيح أن تكون كذلك!

 

اعتراض ثان :قال المسيح انّ أمّه وإخوته هم الذين واللواتي يعملون إرادة الله

ورد في الإنجيل الطاهر كما أوحى به الله إلى متّى الرسول، (في الفصل الثاني عشر آلايتين 48 و 49 ) أنّ المسيح قال هذا الكلام.  إنّه لا يناقض كون السيدة العذراء أمًّا  له ووجود أقارب عنده، ولكنّه يوسع أسرته ويسمو بها من قرابة الجسد، وهي محدودة جدا، إلى قرابة الروح التي هي رحبة جدا.  ولا تخرج والدته البتول من هذه المعادلة والمقاربة والقرابة الروحانية بما انها، في الميثاق الجديد، أوّل من أعلن انها “أمة الرب” بحيث يكون لها ما قاله المبشّر السماوي الملائكي الذي حمل إليها إرادة الله.

يأسف المرء أن يورد اصرار أحدهم على تجاهل العذراء مريم، بحيث صار يخلط بين النصوص الإنجيليّة ويشط، متوهّمًا المحال أي، على رأيه، ان العذراء حاولتحاشى – أن تعيق رسالة المسيحوغير مرّة فكان له ردّ فعل قوي.  والجواب هو أنّنا اوضحنا بنعمة الله معنى كلام السيد المسيح ، وأن لا وجود لأية عرقلة لرسالته من طرف والدته الطهور، بل خلاف ذلك . ولا يرد أي حرف عن أي عمل للعذراء أو قول في هذا المقطع من الإنجيل المقدّس!

اعتراض ثالث: رفض المسيح مديح إحدى النساء لوالدته وغبط كلّ من يسمع كلام الله ويحفظه!

هذا ما يمكن أن يبدو في أوّل الأمر أو بعد تخطيط عبري تلمودي لبعضهم، من بسطاء القوم أو من خصوم البتول مريم.  أمن المعقول ان يرفض السيد المسيح وهو الابن المحبّ البر بوالدته مدحًا لها وإكراما؟ نقرأ بنزاهة (الفصل الحادي عشر من إنجيل لوقا الآيتين 27 و 28) ان امرأة من الجمع رفعت صوتها واعلنت ليسوع : “طوبى للبطن الذي حملك …” فاجاب:” بل طوبى لكل من يسمع كلام الله ويحفظه”.

اللفظة اليونانية “مينون” تعني ايضا: “بالاضافة او علاوة على ذلك”. ان وجد القرّاء هذا التفسير اللغوي صعبًا، حسبهم العودة إلى العقل السليم والحس القويم. ويحكم كلاهما قطعًا بأنّ السيد المسيح لا يمكن ان يصدّ أحدًا يمدح والدته المحبوبة المحبّة الطاهرة المباركة على نساء العالمين.  لذا، هنا ايضًا، يوسع المسيح مفهوم الأمومة نحوه، من سيّدة واحدة بتول وحيدة فريدة، إلى ربوات ربوات من العذارى والنساء والرجال الذين يسمعون كلام الله ويحفظونه.  وهنا ايضًا لا تخرج العذراء الوالدة الأمّ الفريدة من المعادلة والمقاربة والقرابة الروحانية ، بما انها سيدة من سمع كلام الله وحفظه، وكانت تعمل إرادة الله، كأمة متواضعة، و”كانت تحفظ كلّ ما يحصل مع يسوع وتتأمّله في قلبها” . وأكثر من كلّ ذلك بكثير، حفظت كلمة الله في الأحشاء، مع تعرّضها لخطر الرجم حتى الموت.

خاتمة: أوّل دعاء الى السيدة العذراء

لسنا بحاجة الى تفلسف أو فذلكة، فالدعاء الاول ورد في التحية الملائكية “السلام عليك يا مريم”، والتهنئة الاولى وردت في الإنجيل على لسان اليصابات أن:” طوبى لك يا مريم يا من آمنت ان ما بلغها من عند الرب سيتمّ”. ونجد اول كلمتين من السلام الملائكي في حفريات مغارة البشارة في الناصرة، ويعود النقش الى القرون الميلادية الاولى.  وبخلاف ما توهّم أحدهمإلاّ اذا اثبت بالمراجع الأكيدة ما كان أوّل دعاء الى العذراء يبدأ بكلمتين كانتا عرفينا ابنك، بل صلاة وجدت باليونانية في مصر ترقى الى زمن الاضطهادات في القرن الثالث الميلادي هذا نصها المؤثر المأثور : “تحت ستر حنانك نلجأ يا والدة السيّد المسيح القديسة”.

ولا عجب لأنّ والدة المسيح الرأس والكرمة هي أمّنا نحن الجسد والأغصان.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.