خواطر في الكهنوت المعظّم والزّواج المكرّم

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

مقدّمة عن المدارس وفروض العطلة

يعود المدرّسون والطلبة إلى المدارس في هذه الأيّام، وتكون تلك العودة لعدد كبير من الطلاب مشوارًا بعيدًا من جهل وخمول و”تمبلة” (وهي كلمة يونانية تعني “كسل”) وانقطاع عن الحرف المكتوب ، إلاّ أحرف الأجهزة الهاتفية والرقمية والتلفاز. ويحلو للمرء في هذا المقام أن يذكر بالخير والشكران والإكبار مدارس ده لا سال أي الفرير، خصوصًا في عمان والقدس ويافا وبيت لحم، حيث كان الإخوة الرهبان وباقي المعلّمين يعطوننا “فروض العطلة” منعًا لتجمّد عقولنا  في الصّيف، ودفعًا لخمول أذهاننا واستمرارًا لمسيرة التحصيل العلمي والثقافي، فلا تعشّش البطالة في قلوبنا ولا تكون عقولنا النعساء “حوانيت لإبليس” كقول المثل العامي:”عقل الكسلان دكان الشيطان”. وقد شُرح صدر الداعي بوجود هذه الظاهرة بلا نقاش في إيطاليا. ويا ليت المسؤولين يطّلعون على هذا المنبر الأغرّ ليعودوا بطلابنا في فلسطين والأردن بل كلّ الوطن العربي إلى هذا النشاط المفيد الذي يُبقي مستوى الطلاب رفيعًا وشعلة العلم متّقدة، على اتصال مع الكتاب الذي هو خير جليس في الزمان، ولا سيّما في عطلة الصّيف، ومع القلم الذي هو أكثر بلاغة من السيف.

 

أصحيح أنّ عاصفة هوجاء ضربت الكهنوت المسيحي وخصوصًا الكاثوليكي؟

تتنعّم وسائل إعلام، ولا سيّما أمريكيّة معروفة الاتجاه والتمويل، بنشر فضائح عن عدد من القسس الكاثوليك. وكانت الحملة قد بدأت بصحيفتين أمريكيتين عبريّتيّ الإدارة. طبعًا، التحرّش بالأطفال خطيئة وجريمة وجناية أراد قداسة البابا بندكتوس السادس عشر أن يُسلم صاحبها من الإكليروس إلى السلطات القضائية المدنية، بلا حصانة. ويلحظ المرء أوّلاً إغفال كلّ وسائل الإعلام المشار إليها لغير الكاثوليك، مع أنّهم من البشر وليسوا من الملائكة. من جهة أخرى، نرى هذه المصيبة عند الشعوب السكسونيّة أكثر منها  عند الأمم الشرقية أو اللاتينية. وقد قامت دراسة في لبنان أفادت أن المتحرّشين بالأطفال- بصرف النظر إن كانوا متزوجين أو عزابا- هم بشكل عامّ رجال عانوا من القساوة والعنف والتحرّش والإذلال عندما كانوا صغارا.  ومعروفة قساوة التربية السكسونيّة حتى قبل نصف قرن من الزمان تقريبًا.

مهما يكن من أمر، كلّ المحاولات التي تحاول ضرب الكهنوت المسيحي عبريّة المصدر يهودية الجوهر. وهذا يكفي لنزع فتيلها. المسألة أعمق من تصرّفات بعض القسس. بل هي النقمة العبرية التلمودية على الكهنوت المسيحي حيث المسيح الكاهن والهيكل والذبيحة، وذلك بسبب زوال الكهنوت اليهودي اللاوي الهاروني بدمار الهيكل سنة 70 م، كما تقول الليترجية المارونية: “لو كهنوتو لو نبيوتو لو ملكوتو”: “لا كهنوت ولا نبوّة ولا مُلك”. وممّا يزيد الحقد العبري حسبانه أن الكرسي الرسولي الفاتيكاني أي سدّة البابا، الحبر الأعظم الروماني هي خليفة الإمبراطورية الرومانية التي حاصرت حينها المدينة المقدّسة وتمّ في عهدها خراب البيت أي الهيكل.

والهدف الثاني من المحاولات التشهيرية هو نسف البتولية أو العزوبية الرهبانية والقسوسية. وفات الخصوم الدنيويين أنّ هذه فضيلة وقيمة ونعمة لا يقدر بشر أن يمحوها أي البتولات المكرّسات والرجال ناذري العفّة الكاملة الحصورين، لا ترفّعًا عن الزواج المقدّس بل وقفا للنفس كاملاً لخدمة الله والقريب “في المحبّة الكاملة” عذارى و”خصيان” من أجل الملكوت (عن متّى 19: 12، قورنثوس الأوبى 7: 8 وتابع، و 38).  كما فات المعترضين أنّ في الكنيسة الكاثوليكية الشرقية والأرثوذكسية إمكانيّة زواج القس قبل رسامته الكهنوتية. وفي الكنيسة الغربية رجال متزوّجون كثيرون مرسومون شمامسة إنجيليين.

الكتابة في الزّواج والأسرة المسيحيّين

تترك الكنائس لأبنائها حرّيّة الكتابة والنشر وذكر اسمائهم في كتاباتهم، بخلاف تصرّف بعض الهيئات التجارية الأمريكية التي تحتكر الكتابة والنشر في مجلاّتها وكراريسها، وذلك لكي تسيطر تماما على عقول أتباعها، ولئلاّ يكون لأي منهم خارج عن الهيئة الحاكمة “بيت إيل” أي مدخول أو ربح. لذا تلجأ أحيانًا إلى أناس ليسوا رسميًّا من أعضائها يكونون لها أبواقًا لدى وسائل الإعلام. إلاّ أنّ أسلوبهم يدلّ على تلك المنظمة الأمريكية إذ يستخدمون ترجمتها للكتب المقدّسة ويستعملون عباراتها وأفكارها.

الشرط الاساسي لأي تفسير للكتاب المقدّس هو توفّر العلم والرسوخ (عن 2 بطرس 3: 14 وتابع) والرسوخ لا يعني فقط الثبات، بل ايضًا  الانتماء إلى الكنيسة الرسولية العريقة (لا إلى جماعات نشأت في أوروبا أو أمريكا بعد القرون الوسطى). ومن دلائل الانشقاق عن الكنيسة، عند بعض الكتّاب ، إنهم لا يشيرون أبدًا إلى الكنيسة مع أنها “بيت الله الحي، وعمود الحق وركنه” ( 1 تيموثاوس 3: 15) وعروس المسيح الروحانية التي تخضع له في كلّ شيء.

ومن الشروط الضرورية لكي تكون إحدى الكتابات عن الزواج والأسرة المسيحيين أن يشيد الكاتب بالسيّد المسيح والسيّدة العذراء والقدّيس يوسف مثالاً للأسرة المسيحية وقدوة. ولا يجوز أن  يتكلّم مسيحي عن الزواج من غير الإشارة إلى عرس قانا الجليل ومن غير الإعلان أنّه أي الزواج سر عظيم يرمز إلى اتحاد المسيح بالكنيسة (أفسس 5: 21 وتابع).

واجب الكنيسة وحقّها أمام وسائل الإعلام والمجتمع والوطن والإنسانية

“أقام الله في الكنيسة بعضهم رسلاً وبعضهم معلّمين وبعضهم متكلّمين بالألسنة أي اللغات وبعضهم مفسّرين للألسنة.” والكتاب المقدّس نزل في ثلاثة ألسنة: العبرية والآرامية واليونانية القديمة لا الحديثة. والحمد لله أنّ بين كنائسنا “ترجمات” مسكونية موحّدة تجمع بيننا. ولا يفوتنّ أحد أنّ مرجع الكنيسة والعلم هو الأصل لا النقل، فالنقل لعامّة الناس ورجال الدين غير العارفين بالألسنة القديمة الثلاثة المشار إليها. ولا تحريف للكتب المقدّسة في نقلها أي ترجمتها. ولكن مع الأسف هنالك هيئات أمريكية منها يهودية انتحلت المسيحية وقامت منذ الخمسينات من القرن الماضي بنقل جديد للكتاب المقدّس على مزاجها العبري دعته عالمًا جديدا وهو بالفعل عالم جديد. من واجب الكنيسة وحقها، من هذا المنبر الأغر، أن تبيّن أن هذه الترجمة (وإن كان يستخدمها بعض القوم، عن حسن نيّة أو بخلاف ذلك) ليست مسيحية ولا دقيقة. بل أنّ تلك المنظمة الأمريكية نفسها وهي التي تتباهى ببرج صهيون للمراقبة ليست مسيحية على الإطلاق، مع الاحترام لأتباعها ولا سيما السلماء منهم.

لذا، حتّى لو كانت هنالك  بعض “نصائح” تبدو جيّدة مفيدة، فمنها ما أكل عليه الدهر وشرب، ومنها ما هو مأخوذ، أحيانًًا حرفيًّا، عن كتب وكراريس ومجلات منقولة عن الإنكليزية وخصوصا من ترجمة غير مسيحية لا يعترف بها مجلس الكنائس العالمي، ولا تتعاون معها الكنائس ولا تتعاون هي مع الكنائس ، بما أنّ الهيئة الأمريكية التي تصدر تلك الكتب تعادي المسيحية (وأحيانًا تعادي الدين المنظم) معاداة اليهود والتلمود للسيّد المسيح ولوالدته ولكنيسته ولشعبه.

 

خاتمة: جمع معظم رسل السيّد المسيح أي الحواريون بين الزواج والكهنوت المسيحي

لا تنافر بين الكهنوت والزواج، بل على كلّ أن يختار طريقه بنعمة الله. ويشكر المرء لهذا المنبر الكريم إعطاءه الفرصة للكنيسة كي تقوم بخدمتها الإعلاميّة، وقد قدّرها الله منذ عشرين قرنًا من الزمان أن تخدم الإنسانية في حقول التهذيب والتربية في التقوى والأخلاقيات والعلوم والآداب وفي خدمات الشفاء بإذن الله، وذلك على علاّت إكليروسها وشعبها. وبما أن الله يطلب من الواعظ أن يعظ والمعلّم أن يعلّم، فلا فضل لنا بل علينا واجب أن نوضح الأصيل من الدخيل والسمين من الغث والصائب من المغلوط، بما أنّ “الكتاب المقدس كلّه من وحي الله، ويفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في الصلاح” (2 تيموثاوس 3: 16)، وكلّ ذلك “بوداعة ووقار” ( 1 بطرس 3: 15- 16).  

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.