في شأن الأسرة أيضًا: الدّستور الأوروبّيّ تخوّف وتزلّف وتخلّف

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

ما زلنا في أجواء الأعياد الميلاديّة المجيدة حيث لا نكتفي بالتّهاني “الرّنّانة”، بل نسعى إلى فهم أفضل للحدث وإلى استخلاص العِبَر منه والدّروس، “فننهل من ينابيع الخلاص مبتهجين”. ولا نملّ من التّأمّل في الآية الكريمة: “ذهب الرّعاة (وهم رعاة بيت ساحور) مسرعين، فوجدوا مريم ويوسف والطّفل مضجعًا في المذود” (لوقا 2:  16). وجدوا الأسرة المقدّسة، فالأسرة الطّاهرة موضع اكتشاف وتعجّب وذهول وشكران وإكبار. وحذف الأسرة نسف للإنسانيّة، وتجاهل العذراء الوالدة حرمان شيطانيّ للبنت والشّابّة والزّوجة والأمّ من قدوة “المباركة في النّساء” ، المصطفاة “على نساء العالمين”. وهذا التّجاهل أو هذه الاستهانة- عند الجماعات المنشقّة عن الكنيسة، هو رمي لتلك الفئات، من جديد، في أحضان اليهوديّة حيث لا تجد المؤمنة عندهم أمامها سوى مثال حوّاء الغاوية المغوية وتامار ويهوديت وإستير اللّواتي استغللن حسنهنّ لقهر الخصوم، وقد برّرت الغاية عندهنّ الوسيلة. والتّجاهل للقدّيس يوسف قلع لجذور الأسرة الاجتماعيّة والمعنويّة وحذف للرّجولة من العائلة. أمّا التّوسيع المعاصر الغربيّ لمفهوم “الأسرة” ليشمل مساكنة بين فردين من نفس الجنس (وتبنّيهما لأطفال غيرهم!)، فهو انحراف وشطّ وتشويه يخالف الخلق والطّبيعة إذ إنّه، كما تعلّم الكتب المقدّسة ويردّد كتاب التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، يغلق الباب أمام النّسل ولا يعرف التّكامل الطّبيعيّ بين الجنسين.

 

الدّستور الأوروبيّ (حول الأسرة أيضًا): اعتراف فقط بالجذور الإغريقيّة الرّومانيّة

كتبت تلك الوثيقة مجموعة من الملحدين ومن أعضاء جمعيّات ذات أسرار وعدد من العبرانيّين ونفر من الدّهريّين المعادين للمسيحيّة. وشملت اللاّئحة رئيسًا سابقًا لفرنسا: فاليري جيسكار دستان، من مقاطعة “أوفيرنييه”.ويومًا التقى به قدس الأب العلاّمة سمير خليل اليسوعيّ وسأله:”لماذا أغفلتم في الدّستور الأوروبّيّ الجذور المسيحيّة، حتّى الأصول من العهد القديم – مع أنّها موضع محبّة اليهود والمتعاطفين معهم؟” ومع أنّ دستان تميّز بالنّبوغ خصوصًا في الرّياضيّات (إذ كان يُلقي عن ظهر القلب التّقرير الماليّ السّنويّ للجمهوريّة الفرنسيّة) وفي الخطابة، غير أنّه التزم الصّمت. وقلّة الجواب جواب! بل، قد يسأل القارىء الكريم: نعم، بالفعل، ما الرّدّ ؟ وكيف تلجأ قارّة تدّعي “الحداثة” إلى الماضي السّحيق؟

 

الجواب: إنّه لجوء الكتبة والفرّيسيّين إلى بيلاطوس الوثنيّ!

 رفضت “أرسطقراطيّة الهيكل” (التّعبير من البابا بندكتوس السّادس عشر) رفضت يسوع الناصريّ، مع أنه لم يعمل إلاّ الخير. ولكي تتخلّص منه، لجأ أولئك “الموحّدون المتزمّتون” إلى الوالي الرّوماني بونطيوس بيلاطوس! وأولئك اليهود المتعصّبون الّذين كانوا يكرهون الأرض التي يمشي عليها الرّومان، نخبة الوثنيّين الأدناس الأنجاس والمحتلّين الظّالمين، بحيث لا يدخل اليهود دار الولاية الرّومانيّة لئلاّ يتنجّسوا، ها هم يقبّلون الأرض عند قدمي الأمميّ بيلاطوس لقتل يسوع النّاصريّ.

والدّستور الأوروبّيّ اعتراف بقيصر وإنكار ليسوع، إقرار ببيلاطوس ورفض للنّاصريّ، وضع لروما الوثنيّة فوق رؤوسهم ونبذ لإنسان فريد أعلن المحبّة دستورًا والوداعة منهجًا والمساواة مسلكًا واللّطف طريقًا والبساطة مُلكًا. 

 

السّبب: التخوّف من المسيح والإنجيل والمسيحيّة

إنّها ال”خريستيانوفوبيا”، و”فوبيا” لفظة يونانيّة تشير إلى الخوف المفرط غير المعقول وغير المبرّر، يحيث يمسي ظاهرة باثولوجيّة مَرَضيّة (بفتح الميم والرّاء)، غير مُرضية (بضمّ الميم)، بخلاف الخوف المعقول (“فوبوس” في اليونانيّة).

 

ولماذا التّخوّف من المسيحيّة؟

لأنّها تناهض الغرائز المدمّرة ولأنّها تحارب الطّمع العبرانيّ بالسّيطرة على العالم وتنسف “الاحتكار” اليهوديّ لمفهوم “الشّعب المختار” و”أرض الميعاد” ولأنها ترفض بل تعمّم على كلّ الشّعوب بلا تمييز امتيازات توهّم معشر العبرانيّين دهرًا أنّها تخصّهم وحدهم كأطفال مدلّلين من أجلهم “يسحق الله شعوبًا ويحطّم أقوامًا”. وأتى الدّستور الأوروبّي، في إنكاره للجذور المسيحيّة، انحناءً آخر ليس فقط أمام هيرودس وقيصر وبيلاطوس بل أيضًا تزلّفًا لأحفاد “الكتبة والفرّيسيّين” من أثرياء اليهود في أيّامنا، بما فيهم مجموعات معروفة لا مجال لإيراد اسمائها هنا، وهي المتحكّمة ليس فقط بالأموال بل أيضًا في سياسات أوروبّا وأمريكا. وليس سرًّا أن يذكر المرء هنا الموقف المدمّر للقوميّات وللأوطان الّذي ينادي به، بلا خجل، اليهوديّ الفرنسيّ “الأوروباويّ”  بيار موسكوفيتسي الّذي ما توانى أن يصف القوميّة والوطنيّة بأنّها “سخيفة”!

بإنكار الجذور المسيحيّة، أعاد التّاريخ نفسه، إذ سُرّ بهذا الإغفال قوم بيلاطوس ومعشر الفرّيسيّين والكتبة ورؤوس الأموال اليهود فرحًا.

 

تجاهل الجذور المسيحيّة تخلّف ما بعده تخلّف!

نردّد مع السيّد المسيح نفسه، سائلين لهم المغفرة – والهداية- لأنّهم “لا يعلمون ما هم عاملون” ولا يعرفون ما كتبوا، وعندهم عناد بيلاطوس: “ما كتبتُ، فقد كتبتُ!”

“تستند الحضارة الأوروبّيّة إلى الجذور الإغريقيّة الرّومانيّة”. وما أدراكم ما تلك الحضارة الوثنيّة!؟ ها هي، مع كلّ ما يقوم به القوم من تمويه أو تجميل: عند الإغريق، احتقر الشّعب الطّفلة وما كان يتردّد في قتلها، خصوصًا بالجوع، لدرجة أنّ الفيلسوف ارسطو نفسه قال:” تحتاج البنات إلى قدر أقلّ من التّغذية”! هذا هو أرسطو العظيم! ومارست مدينة إسبارطة مبدأ “التميّز الخلقي” المعروف بالّلفظة المركّبة “اوجنيسيس” اي “النّسل الجيّد” بحيث كان يتمّ التّخلّص، بشتّى الوسائل، من الأطفال ذوي العاهات أو العيوب الخلقيّة. وسار هتلر على هذا المبدأ.

 وسمحت السّلطات الإسبرطاويّة لأيّ رجل والد بأن يتمادى على أطفال الآخرين، في سبيل خير المدينة! وما بنى “الحقّ” الإغريقيّ ولا الرّوماني الأسرة لا على أساس الإنجاب (مع أنّه أوضح ركيزة في الطّبيعة) ولا على العاطفة العائليّة (مع أنّها نابعة عفويًّا من صلة الرّحم وروابط الدّم) بل على السّلطة، سلطة “أبي الأسرة” المبنيّة بدورها على القوّة الجسديّة والهيمنة الجنسيّة والسّيطرة الماليّة. وعلى تلك الأسس المزيّفة الهشّة، تفاقمت الشّرور في التّشريعات الوثنيّة، ومن أوّلها حرمان العبيد والإماء من الزّواج، بشكل مطلق! ومهما أحبّ المواطن الرّوماني بنته، ما كانت لترثه! أمّا الإغريق، فأشاروا إلى الأسرة إمّا بلفظة “إيكوس” أي “بيت” (وفي اليونانية المعاصرة “إيكوجينيا”) أو “إبيستيون” أي “موقدة النّار” حيث تصطلي الأسرة في الشّتاء. (من كتاب فوستل ده كولانج، “الأسرة والمدينة والدّولة”).

 

خاتمة

التّجاهل للسيّد المسيح الطّفل وللعذراء الوالدة وللقدّيس يوسف أوجد أزمة في العائلات المسيحيّة تقليدًا، الوثنيّة واقعًا. وتقهقرت إلى غياهب الأمميّة المنحلّة التي دمّرت أثينا ثم إسبارطة ثم روما، في حين أنّ ميلاد المسيح والإنجيل والكنيسة رفعا الزّواج وقدّسا الأسرة وقضيا على العبوديّة والتّمييز، وذلك في إطار تشريع واحد رفيع يتساوى فيه الأزواج في الحقوق والواجبات لا في الوظائف. وما اختارت الكنيسة لصفوة مكرّسيها ومكرّساتها موهبة التّبتّل احتقارًا للزّواج بل سعيًا “لرضوان الله” بخدمته تعالى وخدمة النّاس “بقلب غير منقسم”. ولا تناقض بين الزّواج والتّبتل، بحيث أنّ أزمة الزّواج تنعكس أيضًا على دعوات الرّهبنة والكهنوت، إذ في كلا الأمرين وقف للنّفس وتكريس والتزام وتعهّد وعهد وميثاق وسموّ فوق الأنانيّة والانفراديّة ورفع للواء المحبّة الّتي هي “النّاموس بكماله” والخدمة الّتي تميّز بها “ابن الإنسان” المسيح ، الّذي “ما أتى ليُخدَم (بضمّ الياء) بل ليَخدم (بفتح الياء) ويفدي بنفسه كثيرين”.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.