عيد عمّاد الرّبّ ج

عماد الربّ   (لوقا 3 : 15- 16 و 21-22 )

(بقلم الأب بيتر مدروس)

نقرأ في انجيل لوقا : “بينما يسوع يصلّي انفتحت السماء ونزل الروح القدس عليه في صورة جسم كأنّه حمامة، وأتى صوت من السماء يقول : «أنت ابني الحبيب، عنك رضيت» ” . (لوقا 3 : 21-22 ) .

 

أثبتت الكنيسة في المشرق – مثل شقيقتها روما – القدرة على إلغاء الوثنيّة واستبدال أعيادها بالمسيحيّة ، فصار على سبيل المثال عيد “الظّهور الإلهيّ” للمسيح السيّد بديلاً أبديّاً عن عيد “ظهور الآلهة” الذي كان معشر الوثنيين يحتفي به في السّادس من يناير كانون الثّاني. عليه ، وأكثر من أيّ وقت مضى ، تعني العبرة الأولى من هذه الأعياد لا أنّ “الكنيسة وثنيّة” كما يزعم أصحاب أنصاف الحقائق وأرباع العلم – وقوم الحقد على البيعة – بل أنّ كلّ هذه الأعياد التي محت نهائيّاً كلّ آثار الشرك وتعدّد الآلهة دعوة – ولا أبلغ – إلى الانتصار على المادّية والدنيويّة “لنعيش في هذا الدهر بصبر وعقلانيّة ـ منتظرين الرجاء السعيد وتجلّي مجد إلهنا العظيم مخلّصنا يسوع المسيح”!

الوثنيّة أو الإلحاد العمليّ – أي العيش من غير الله – آفة عصرنا حتّى عند المسيحيّين وحتّى في الشّرق ، ما خلا الأقطار التي يعاني فيها المسيحيّون العرب الأمرّين بسبب إيمانهم وهويّتهم المسيحيّة، شاهدين للمسيح الرب بألسنتهم مستشهدين بدمائهم! وكم منّا نسي أنّ آباءنا وأجدادنا بشكل عامّ أبناء شهداء وأحفاد شهداء! وما الفظائع التي نشهدها اليوم إلاّ صورة عن ماضٍ فظيع رهيب، تحمّل فيه المسيحيّون أجدادنا كلّ عذاب وذلّ ، وراحوا بمئات الآلاف ضحايا التعذيب والتنكيل والإبادة. وأتينا نحن ، “على البارد المستريح” ، وتلقّينا بالوراثة إيماناً حيّاً مغموساً بالدموع والدماء ، ونسينا – والإنسان من النّسيان – وتشبّهنا أحياناً بالوثنيين والعبرانيين الذين اضطهدوا كنيسة المسيح!

 

معمودية يسوع ومعموديتنا

نعلم الفرق الجوهري بين المعموديتين : من السيّد المسيح ومن يوحنا المعمدان : معمودية يوحنا التي قبلها يسوع – وإن لم يكن بحاجة إليها – كانت “فقط بالماء” ، أمّا المعمودية التي أسسها يسوع فهي “بروح القدس والنار”. فلا مجال للمقابلة بينهما ولا لدعوة البشر أن يعتمدوا فقط من سنّ ثلاثين وما فوق ، بما أن العمّاد الذي أسّسه يسوع “ولادة جديدة ، من عل ، من الماء والروح” (عن يوحنا 3 : 2 وتابع)، والولادة الجديدة يجب أن تتمّ بأسرع وقت بعد القديمة.

 

لطف المسيح والمسيحيّة

لا يناسب وصف “العبد” الصّالح  (وهو نفسه بطل الفصل الثالث والخمسين من نبوّة أشعيا) إلاّ سيّدنا يسوع المسيح “الوديع متواضع القلب”. وهذه السّكينة الإلهيّة والهدوء السّامي والدعة الربّانيّة ميّزة يسوع النّاصري الجليل! ومن ثماره نعرفه ونعرف المسيحيّة : السلام والوئام، “حضارة المحبّة” و “ثقافة الحياة” . لا يحبّ يسوع الموت لأنّ “فيه الحياة”. وما تقبّل الموت إلاّ “ليكون ذبيحة عن الآثام” لا حبّاً بالموت ولا طمعاً في أيّة دنيويّات.

ونسأل المسيح الذي ظهر لعلماء المشرق، أن يُنير بنجمه على شرقنا، وخصوصًا ديار العرب والفرس – فمنها أتى علماء الفلك قاصدين المخلّص حاملين ذهباً ولباناً ومرّاً. ولا نصغي إلى فذلكات حركات أمريكية يهودية الاتّجاه تزعم أنّ النجم كان – حاشى وكلاّ – من  الشيطان لأنه جعل هيرودس الكبير يقتل أطفال بيت لحم – اليهود طبعًا!

فعلاً، يسوع هو هو “المسيح الذي إنّما هو ربّ الناس أجمعين”. ولا تناقض عندما نسمع أمير الرسل بطرس يستمرّ ويقول : “يسوع الناصري: كيف أن الله مسحه بروح القدس والقدرة” (أعمال الرسل 10 : 34 وتابع) : فالمسيح هو تجسّد الطبيعة الإلهيّة الكاملة الساكنة فيه والتي مسحته كإنسان “بدهن البهجة” (أيضاً عن مزمور 45 (44) : 8).

 

خاتمة

أيّها المسيح ، “يا من عُمّد في نهر الأردنّ ، عمّدنا بروح القدس والنّار”!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.