حول معموديّة السّيّد المسيح

أيجب اعتماد المسيحيّين في الثّلاثين؟

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

انتهت الأعياد الميلاديّة والطّقوس الاحتفاليّة للغطاس على ضفّتي نهر الأردنّ، وكأننا بمعمودية المسيح تجمع ضفّتين فصلت بينهما ظروف قاسية ما زال شعبانا في فلسطين والأردنّ يعانيان منها. وأكيد أنّ يسوع ابن مريم، وهو يشوع الجديد “ابن السّمكة”، “بن نون”، قضى بوداعته وروحانيّته على كلّ احتلال وسيطرة وتسرّب إلى بلاد الآخرين وقمعهم باسم الله!

“المسيح اعتمد وهو ابن ثلاثين، لذا يجب أن يصطبغ المسيحيّون في هذا العمر”!

يسمع المرء هذه الجملة التي يطلقها أصحابها بحسن نيّة وسوء معرفة. لقد بيّن كلّ من  يوحنأ المعمدان بن زكريّا والسيّد المسيح الفرق الجوهريّ بين المعموديّتين: يوحنّا (أو يحيى) عمّد بالماء للتّوبة، أي فقط بالغين، استعدادًا لمجيء المسيح المنتظر، بينما يسوع “عمّد بالماء وروح القدس والنّار” لمحو الخطيئة الأصليّة عند الكبار والصّغار، ولادة جديدة”من عل، من جديد، من الماء والروح” تشمل الصّغار والكبار (من حيث يسوع مع نقوديموس: يوحنا  3 : 1 وتابع). بالمعموديّة باسم الله وكلمته وروحه” أو “باسم يسوع” يدخل المعمّد في المسيحية رسميّا، أمام الله والمجتمع والدّولة، مع كل النتائج (والعواقب) القانونيّة منواجبات وحقوق وخطر الاضطهاد. وفعلاً، عمّد الرّسل أطفالاً وقاصرين، في إطار معموديّات جماهير محتشدة (أعمال 2: 40 وتابع: ثلاثة آلاف نفس)، أعمال الرسل 18: 8 ب (تعميد كثيرين من أهل قورنثوس) وإطار معموديّات لعائلات بكامل أعضائها (أعمال 10 بطرس يصبغ بالمعموديّة الضّابط الرومانيّ قرنيليوس وجميع أقاربه وأخصّ أنسبائه وأصدقائه، ثم بولس الرّسول يعمّد ليديا وجميع أهل بيتها (أعمال الرسل 16:14 وتابع) والسّجّان وجميع أقاربه أي “العيلة باللّيلة” (أعمال الرسل 16: 34)، وقرسبوس رئيس المجمع العبريّ (أعمال الرّسل 18: 8 أ)، “وبيت اسطفاناس” (قورنثوس الأولى 1: 17).وهذان فقط رسولان أي بطرس وبولس من ثلاثة عشر رسولاً واثنين سبعين تلميذًا…

أمّا الاستشهاد برسالة مار بطرس حيث يقول أنّ المعموديّة “شهادة ضمير صالح” (1 بطرس 3: 21) فهو وارد في شأن البالغين فقط، ولا يلغي آيات معموديات الأطفال (التي يُغفلها دعاة الفئات الحديثة) ولا ينسفها. ولا تخص الآية الصّغار ولا القاصرين الّذين لم يبلغوا سنّ الرّشد.

 

“اتركوا الطّفل يكبر، بعدها يختار دينه”!

إنّ “المسيحيّ” الذي يقول هذا الكلام، أكان من الوالدين أو من خارج الأسرة، ليس متأكّدًا من مسيحيّته ولا ينتمي إليها بعمق ولا يدرك فضلها على الوثنيّة من جهة وعلى الكتابات الحاخاميّة من جهة أخرى، ناهيكم عن فضلها على الإلحاد والدّهريّة، كل ذلك بخلاف المسيحيّين الأولين، وحشود من الملتزمين، الّذين كانوا مستعدّين للاستشهاد، وما يزالون، في سبيل إيمانهم بالمسيح.

وفتح الباب أمام مراهق أو يافع أو شابّ صغير أو بالغ حتّى في الثلاثينات من العمر لكي يختار بين عدّة أديان أو طوائف هوو مخاطرة كبيرة إذ يجب، كي يحسن الاختيار (وقال المثل: “تريد أن تحيّره خيّره”)، يجب أن يعرف كلّ الأمور الضّروريّة ذات الشأن في موضوع كلّ الأديان المطروحة أمامه! وبصراحة، حصل خطأ منهجيّ كبير عند نفر من الكاثوليك، لسوء فهمهم للمحبّة والتّسامح، ولإدراك مغلوط للمجمع المسكوني الفاتيكاني الثّاني، وهو عرض فقط للأشياء الإيجابيّة عند سائر الطّوائف والمذاهب ، فتوصّل بعض الكاثوليك إلى فكرة خاطئة وهي أنّ كل الكنائس والأديان سواء. ومن ناحية ثانية، بنفس الصّراحة، ما كفّ أيّ من غير الكاثوليك هجومه على عقائد الكنيسة وتاريخها، فجذب إليه خلقًا من الكاثوليك السّطحيّين كثيرا. والجسيم في أمر “الملل والنّحل” والطّوائف أنّ كثيرًا من أخطائها خفيّ دفين، لا يكتشفه العوام خصوصًا من أهل الجهل بالأديان ( 2 بطرس 3: 15 وتابع). وهذا مثل عن خطأ جسيم كلّف الآلاف حياتهم: منع نقل الدّم أو منع العلاج الطّبّيّ. يبهر “دعاة” تلك الفئات الحديثة المستحدثة الدّخيلة عددًا من بسطاء القوم (رومية 16: 18) بأنّ أحد اسماء الله هو “يهوه” (اسم لا يرد في العهد الجديد على الإطلاق) ويُغفلون (بضمّ الياء) حظر نقل الدّم إلاّ بعد ان يكون رأس المتعاطف الغافل قد حُشي تمامًا. فيقع السّاذج في مصيدة “الأساليب الخفيّة الشّائنة” أي إخفاء عناصر محرجة أو منفّرة ، وقد استخدم الدّعاة “سبل المكر” (بخلاف الرّسل الحقيقيّين:2 قورنثوس 4: 2).

 

ما استشرتم الطّفل عندما عمّدتموه!”

وهل استشرتموه عندما أنجبتموه وعندما أرضعته الأمّهات وطعّمتموه لمقاومة الأمراض وأرسلتموه إلى المدرسة؟ نعم، لا يستشير أحد طفله في شأن الخيرات المطلقة. وكما يعطي المرء طفله أو طفلته جنسيّته وصفاته الوراثيّة، فأغلى ما عند الإنسان المؤمن إيمانه الّذي يورثه أطفاله. وبإمكان المعمّد أن ينكر معموديّته، كما فعل الإمبراطور يوليانوس الجاحد. ولا تتعارض الكنيسة الكاثوليكيّة ، المتّهمة بالتّزمت، في قرارها حول “الحرّيّة الدّينيّة”، مع وثيقة حقوق الإنسان، المادّة رقم 18.

 

 خاتمة: المفكّر السويسريّ فون ألمين: “معموديّة الأطفال ضمان لوحدة الأسرة المسيحيّة”

شاء المرء أم أبى، من ناحية واقعيّة، وجود أكثر من دين أو طائفة في الأسرة الواحدة يستطيع بكلّ سهولة أن يقسمها. وليس سرًّا أنّ تحوّل أحد المسيحيّين من الكنائس الرّسوليّة إلى جماعات حديثة أعجميّة دخيلة ينسف الزّواج ويشتّت الأولاد. وتنشأ في حال تعدّد الأديان والطّوائف في العائلة الواحدة مشاكل لها بداية ولا نهاية، من النّقاش البسيط إلى تضارب المواقف حول دخول كنيسة أو تعميد الأطفال أو إلى أيّة مدرسة إرسالهم أو حتّى في العلاقلات الزّوجية عندما تهمس الحركات الحديثة لأتباعها أن شريك حياتهم (غير التابع لفئتهم) “نجس” بحيث تمنع حتّى العلاقات الزّوجية، وتكون مشاكل حول الرّموز التي يجب أن تُوضع في المنزل وأيّ أناس يجب استقبالهم أو إبعادهم… وبخلاف ذلك، يضمن الفكر الواحد القلب الواحد والنّفس الواحدة.

  ولكي تضمن الكنيسة تربية مسيحيّة لأطفالها تكتنف الوالدين بأشابين (والكلمة كنعانية تعني “صديق العروس”) أي “عرّابين” يساعدونهم في هذه التّربية الإيمانيّة. ويتوهّم بعضهم أنّ واجب الإشبين إحضار هدايا للطّفل، فيتهرّبون من هذه المهمّة!

سأل قداسة البابا يوحنا بولس الثّاني فرنسا: “أيّتها البنت البكر للكنيسة، ماذا فعلتِ بمعموديّتك أو صبغتك؟” ويجدر أن يطرح كلّ مسيحيّ على نفسه هذا السّؤال!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.