اللّطف البطرسيّ البابويّ: عبور القارّات وتقريب القلوب والمسافات

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

يقرأ المرء مقالات فيها ما يبدو ضربًا من حلو الكلام، مثلاً عن اللّطف. وتخفى أمور خطيرة ويمكن القول أن يوجد أحيانًا سمّ زعاف- او سموم- لا يلحظها القارىء العاديّ ولا حتّى بعض القسس ولا المسيحيّ الورع بل فقط العارفون بكتابات فئات أمريكيّة حديثة منها التي تتجاهل الشّهادة المسيحيّة لقيامة يسوع وتتمسّك بالشّهادة اليهوديّة التي وردت في أشعيا 43: 10-12 كأنّ المسيح ما أتى، وتمنع نقل الدّم والاحتفال بأعياد الميلاد الشّخصيّة وترفض الانتماء للوطن والتفاعل مع المجتمع، بحيث يعيش الأتباع الغافلون في “غيتو”، ومن شابه أباه فما ظلم. ومن مواقف تلك الفئات التي لها في اليهوديّة ثلثا الخاطر- لولا الحياء- تقليلها – حاشى- ليس فقط من قدر السيّدة العذراء مريم بل أيضًا تخفيف من صفات السيّد المسيح نفسه وتشبيه آدم به”قبل الخطيئة” كتشبيهك – والعياذ بالله- والدتك قبل زواجها، مع الاحترام- بالسيّدة البتول المباركة في النساء المصطفاة المطهّرة على نساء العالمين. ويغفل الدّعاة أو أبواقهم آية مثل: “لقد ظهر لطف الله مخلّصنا ومحبّته للنّاس… إذ خلّصنا بغسل الميلاد الثاني”. واسم يسوع يعني “الرب يخلّص” لأنه” يخلّص شعبه من خطاياهم”.

 

“يقولون ولا يفعلون” أو يقولون شيئًا ويعملون نقيضه!

قالها الشّاعر:

“لا تنه عن خلق وتأتي بمثله        عار عليك إذا فعلتَ عظيم”.

وهنالك من ينسب هذا البيت إلى أبي الأسود الدّؤلي. عندما يطالع المرء مقالاً يشيد بالتّواضع واللّطف يتوهّم – لحسن النّيّة وسلامة الطّويّة- أنّ الكاتب يتبع الكتاب المقدّس في حضن الكنيسة. ولكن العارفين بكتابات “برج صهيون للمراقبة” سرعان ما يكتشفون أنّ الكاتب إمّا من المنتمين إلى تلك الحركات المستحدثة أو من المتعاطفين معها أو من أبواقها غير الرّسميّين، بما أنه ممنوع على أتباعها كتابة أي شيء باسمائهم لاحتكار “بيت إيل”، أي رئاستها، الطّباعة والنّشر لأسباب تجاريّة. وهنا، يكتب عن اللّطف إنسان نحترمه، يتبع من حيث لا يدري جماعة نشأت في نهاية القرن التاسع عشر في “العالم الجديد” الأمريكي تمنع منعًا باتًّا “هدايا الرّحمة” أي الصّدقة والحسنة بذريعة أنّك لا تعلم إذا كان الذي أمامك محتاج فعلاً أم لا. فها هم دعاة “اللّطف” يمنعون “هدايا الرّحمة”- وهي العبارة التي يستبدلون بها “الصّدقة، الحسنة، الزّكاة”. وأين الرّحمة عند مؤسّسة تحظر حظرًا باتًّا نقل الدّم (إلاّ في إحدى دول أوروبا الشّرقيّة، مكرهة لا بطلة) ولا تشفق على سيّدة حامل وجنينها اللذين يعوزهم الدّم وتتركهما يموتان! وأين اللّطف عند بشر لا تتقطّع قلوبهم على أطفال يبكون لأنهم حُرموا الاحتفال بعيد ميلادهم أو تلقّي الهدايا في الأعياد بل أطفال لا يحتفلون بأيّ عيد، لا مسيحيّ ولا وطنيّ، ولا تشيد رئاساتهم الأمريكية إلاّ بالأعياد اليهوديّة؟ أين اللّطف وأين الشّفقة على كل الأزواج والعائلات التي فرّق بينها إلى غير رجعة مجرّد اتّباع أحد أعضائها ولا سيّما الوالدين لتلك الجماعات الحديثة ورفض كلّ تعايش ومودّة وحياة أسرة، وكأننا بهم فعلاً من اليهود التّلموديين “الحارديم” الّذين من المحال العيش معهم، لا في منزل واحد ولا في شارع واحد!

 

“تنمية اللّطف ضرورة”: كلام جميل ولكن أيّ لطف؟

المطّلعون على الكتابات الدّاخليّة لجماعات حديثة، مثلاً “الخدمة الثيوقراطيّة”، يرون مقدار اللّطف الاصطناعيّ المفتعل وتلقين الرّئاسة دعاتها وأتباعها كيف المحافظة على هدوء الأعصاب والاتّسام بالابتسامة (وإن كان المرء يتلوى قهرًا وغيظًا) لكسب أكبر عدد للجماعة.

 

لطف رسوليّ حقيقيّ: الأحبار الرّومانيّون خصوصًا في أيّامنا

كلّ يوم أربعاء وكلّ ظهيرة أيّام الآحاد يطلّ قداسة البابا على المؤمنين الّذين يرون فيه بصواب خليفة القدّيس بطرس أمير الرّسل. إنّه الضّمان لوحدة الإيمان:” إله واحد، ربّ واحد، معموديّة واحدة” على رأس الهرم البطرسيّ الفاتيكانيّ عبر عشرين قرنًا من الزّمان، بخلاف إخوتنا الذين نشأت أقدم فئاتهم نحو سنة 1521 وتشرذموا وتشتتوا وتتفتّتوا إلى آلاف الطّوائف. ها هو الموفود البابويّ يصلح بين دولتين من أمريكا اللاتينيّة وكم انحنى العالم للفاتيكان إكرامًا بفضل عمله الرسولي الدبلوماسي رفيع المستوى عديم الضّجة في الوساطة للمصالحة التاريخية بين الولايات المتّحدة وكوبا. ولا يسمع المرء فقط كلامًا عن المحبة والسلام والمصالحة من أفواه الأحبار الرّومانيّين بل يرى ويلمس كيف يهبّون ليرسلوا أوّل بعثات إغاثة للمنكوبين والمعوزين.

 

الزّيارة التّاريخيّة القريبة: البابا فرنسيس على أرض شبه الجزيرة العربيّة!

يتأثّر المرء بصواب عندما يسمع الخبر ويرى بعد أيّام معدودة الحدث! دعوة من وليّ عهد أبو ظبي الشّيخ محمّد بن زايد آل نهيان إلى قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس الأوّل إلى زيارة “ديار العرب” والمكوث في “الخيمة العربيّة”. دعوة وزيارة ما كانا ليحصلا حتّى في المنام! مصافحة وتقارب جمعا بالمحبّة – حسب سورة المائدة 82– “أقرب النّاس مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وإنّهم لا يستكبرون”. وها هو أكبرهم قدرًا بطريرك روما العظمى الذي يعرفه الأدب والتّاريخ العربيّان بأنه “ملك يُدعى الباب” ولكنّ ملكه- حسب مثال سيّده المسيح- “ليس من هذا العالم”. لا يرجو البابا من الأمراء والشّيوخ هدايا، بخلاف ما رغب فيها وتلقّاها بسرور بعض رؤساء الدّول حتّى الغربيّة والمتشدّقة بالغنى والتفوّق الاقتصاديّ! نعم، راتب البابا صفر دولار وصفر يورو، وثروته معنويّة روحانيّة.

نعم، يتأثّر المرء عندما سيسمع كلمات التّسامح من أرض أرهقها الاستعمار حينًا وتصارعت في شأنها الدّول العظمى، بين روما وفارس، بين لندن وباريس وبرلين… وما عرف المواطن العربيّ ذلك “المسيحيّ” الأعجميّ إلاّ مستعمرًا وعدوًّا. ونظر الغربيّ إلى العربيّ نظرة فوقيّة واستخسروا في معشر العرب ثروة “الذّهب الأسود”! ويتزامن مع زيارة قداسة البابا قدوم الإمام الأكبر أحمد الطّيّب إلى “بلاد العرب السّعيدة” لرفع صوت المحبّة، وقد برهنت عليها دول الخليج باستقبالها الفريد لعشرات الآلاف من العمّال وذوي الاختصاصات الّذين كسبوا لقمة العيش.

يتأثّر المرء عندما يقرأ في المزامير عن المسيح الملك المنتظر: “عاش! وأُعطي من بلاد العرب ذهبًا”. والّلبان والمرّ مع الّذهب هدايا علماء المشرق للطّفل يسوع ابن البتول وربيب خطّيبها العفيف يوسف- ولعلّهم قدموا من شبه الجزيرة أو منطقة الأنباط “آرابيا بيتريه” (حسب تحليل الأب الرّاحل إبراهيم بطارسة).

ويلحظ المرء من برنامج الزّيارة البابويّة للإمارات أنّ يومين اثنين مكرّسان للّقاء مع الأمراء والعلماء وسائر الخليجيّين، في حين أنّ يومًا واحدًا مكرّس للجالية المسيحيّة بقدّاس في كاتدريائيّة أبو ظبي. هذا الواقع يعني أنّ المسيحيّين مندمجون في المجتمع الّذي استقبلهم والذي قام – في شخص وليّ العهد- بدعوة الحبر الأعظم.

 

خاتمة

سيفرك كثيرون عيونهم، في الشّرق والغرب، عندما سيرون بها أو على الشّاشة الصّغيرة أنّ طائرة قداسة البابا فرنسيس الّذي شعاره كلمات القديس فرنسيس الأسيزي-” :يا رب، استخدمني لسلامك”- ستحطّ نعم في مطار أبو ظبي، قرب النّخيل والخيام، وعندما ستتصافح العباءة العربيّة الأصيلة البيضاء مع الثّوب البابويّ الأبيض، وعندما ستعزف فرقة الجيش الإماراتيّ نشيد الفاتيكان وهو الجسر بين الشّعوب وقمة الحوار بين الأديان. وستشهد بلاد العرب العريقة تلميذًا للسّيد المسيح متوشّحًا بالبياض، من بياض القلب، يعمل بالكلمات السيّديّة: “احملوا نيري عليكم وتتلمذوا لي لأنني وديع متواضع القلب”.

فأهلاً بخليفة بطرس تحت الخيمة العربيّة!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.