الأمير والبابا على أرض العروبة

تقدّم يأبى الجمود، محبّة بلا حدود، عبادة بلا قيود!

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

ما انتهت زيارة الحبر الأعظم إلى الإمارات بعودة قداسته إلى روما، وتبدأ الآن ثمارها وقد أذهلت العالم. وشهد القاصي والدّاني بين الشّخصيّتين ووفودهما والجموع وتقواها ومودّتها وانسجامها مشهدًا هو للإنسانيّة كلّها عبرة تتلخّص بالكلمات المؤثّرة الّتي قيلت في مسيحيّي القدس الأوّلين الرّسوليّين: “انظروا كم يحبّ بعضهم بعضًا!”، لا باختفاء الفوارق بل ب “تآلفها” (والألف أوّل حرف من الأبجديّة أي من التّواصل الإنسانيّ). وقبل أن نعود إلى هذا الموضوع ذي الشّأن الرّفيع، تضطرّنا الأحداث والأنباء إلى الخوض في خبر أوردته صحيفة “القدس” الغرّاء : “محكمة روسيّة تحكم على دانماركيّ من “شهود يهوه” بالسّجن ستّ سنوات بتهمة التّطرّف”.

 

مجموعة “شهود يهوه” غير معترف بها مسيحيًّا ومحظورة في بعض الدّول

في السّتينات حظرتها جامعة الدّول العربيّة إذ ما كان النّفوذ الأمريكيّ بالغًا. على كل حال، اسم هذه المجموعة كأسماء كلّ أجهزتها يهوديّ من العهد القديم، حسب ربطها نفسها سنة 1931 بالشّهادة اليهوديّة لا المسيحيّة مستشهدة بأشعيا 43: 10- 12، لا حسب الشّهادة المسيحيّة حسب أعمال الرسل 1: 8 حيث قال السيّد المسيح لرسله وتلاميذه: “لي ستكونون شهودًا…”). ولا يعترف بها مجلس الكنائس العالميّ لإنكارها جوهر المسيحيّة ولتعاليمها الخطيرة ليس فقط دينيًّا وأخلاقيًّا بل اجتماعيًّا أيضًا. نستهلّ بالاجتماعيّات والعائليّات والأمور القانونيّة: يرفض “شهود يهوه” سيادة الدّولة ومفهوم الوطن وتحيّة العلم (بفتح اللام والميم) والخدمة العسكريّة والمدنيّة وحتّى مبدأ الدّفاع عن الوطن، ويمنعون نقل الدّم بحيث سقطت ضحيّة هذا الفكر اليهوديّ المشوّه ما لا يقلّ عن تسعة آلاف ضحيّة منذ سنة 1945 وكانت “بيت إيل” (والاسم يهوديّ أيضًا) قد منعت أيضًا التّطعيم وزرع الأعضاء. وترفض إدراة شهود يهوه لأتباعها حقهمّ الطّبيعيّ الدّينيّ العقليّ في الكتابة بأسمائهم وخارجًا عن مطبوعاتها من كتب وكراريس ومن مجلّتَي “برج صهيون للمراقبة” (واقرأ الكتاب من عنوانه، والّلبيب من الإشارة يفهم) و”استيقظ”، كما تحظر أبسط التّداخلات والمعاملات العائليّة والاجتماعيّة والخيريّة ومنها الصّدقة أو الحسنة والاحتفال بأعياد الميلاد الشّخصيّة حتّى للأطفال وإعطاء الهدايا وتلقّيها وتحظر التّدخين، لا حرصًا منها على حياة البشر وصحّتهم، بما أنّ هذه الفئة الأمريكيّة تمنع نقل الدّم وإن أنقذ الحياة، كما تحظر الاختلاط المشروع مع المجتمع بحيث لا يشترك “شهود يهوه” في أيّة مؤسسة مسيحيّة أو اجتماعيّة أو وطنيّة أو خيريّة أو ثقافيّة أو رياضيّة… ولا تشجّع التّعليم الجامعيّ معلنة أنه “ليس من عند الله” -والهدف واضح: إبقاء أتباعها في الجهل لتسهيل السّيطرة عليهم. أليس هذا تطرّفًا وخطرًا على الحياة والعائلة والمجتمع والوطن والعالم؟ وليسوا، بخلاف ما يقول بانكوفسكي وسواه، “يتبعون الكتاب المقدّس “بل تفسيرات برج صهيون للمراقبة لنصوص من التوراة والإنجيل انطلق تأويلها الغريب من بروكلين نيويورك بخلاف النّصّ والسّياق والمنطق والعقل السّليم: مثلاً، في تكوين 9: 4 تمنع الشّريعة اليهوديّة أكل الدّم، فأساء رؤساؤهم تفسيرها بحظر نقل الدّم. وليسوا، بخلاف ما يزعمون أو يتوّهمون، من قوم “العيش بطريقة أخلاقيّة”. طبعًا، لا نحكم على تصرّفاتهم، ولكنّ تفسيرًا خاطئًا للكتب المقدّسة، ينفردون به أحيانًا، هو قنبلة تدميريّة بسبب الأفكار والتّعليمات التي ينشرونها بين أتباعهم ويريدون “التّبشير بها” سائر الخلق، مثلاً “بطلان الوصايا العشر” (خصوصًا في كتابهم “الحقّ يحرّركم” و “يمكنكم أن تحيوا إلى الأبد في الفردوس على الأرض “…). هذا نسف للأخلاق وللوصايا ولضبط النّفس والأمر “بالمعروف والنّهي عن المنكر”. كما “لا تسارع في الخيرات” هذه الفئة الأمريكيّة إذ لا تقوم بأيّ عمل إنسانيّ من إحسان وتعليم وتربية وإغاثة وشفاء، بخلاف الدّول والكنائس. ومع ذلك، لا تتردّد هذه الجماعة بقذف الدّول والكنائس بالشّيطانيّة.

 

عودة إلى الدّعوة الأميريّة والزّيارة البابويّة التّاريخيّين لشبه الجزيرة العربيّة: هل من سلبيّات وعلامات سؤال؟

لم يخل النّقد في شأن هذا اللّقاء التّاريخيّ والتّحفّظ والتساؤلّ. وأتت ملحوظات من أناس توجّسوا خيفة أن تكون خطوة وليّ العهد الإماراتيّ دعاية لبلاده واسترضاء لسياستها باستغلال قداسة البابا، أكبر زعيم دينيّ في العالم والأوفر هيبة ونفوذًا، “بتجيير” زيارة روحانيّة إنسانيّة تقرّب بين ديانتين كبيرتين وأتباعهما إلى مصالح سياسيّة إعلاميّة. وخشي آخرون أن تعني الزّيارة البابويّة تأييدًا من البابا والكنيسة الكاثوليكيّة لبعض سياسات الإمارات حول حقوق الإنسان والحرب في اليمن وغير هذه القضايا.

 

شجاعة سموّ الأمير محمّد بن زايد وجرأة الحبر الأعظم

مهما كانت نيّة وليّ العهد الإماراتيّ، فما من مؤيّد ولا من معارض، ما من صديق ولا من عدوّ يستطيع أن ينكر شجاعة سموّه ورباطة جأشه وتحمّله المخاطر في دعوة هي الأولى في تاريخ العروبة والفاتيكان، ممّا يجلب على سموّه غضب جماعات كثيرة تجد أنّ دعوته مرفوضة إسلاميًّا، مع كلّ العواقب. وبصراحة، إذا كان وليّ العهد حقّق فوزًا إعلاميًّا وسياسيًّا لدولته – الّتي لا تتعدّى بعض الملايين من مواطنين ووافدين، فهل فات سموّه أنّ النّجاح الرّوحانيّ المعنويّ لدى قداسة البابا يقاس بمئات الملايين؟ أما كان أوفر للأمير وأسهل وأكثر فائدة أن يتقرّب من “دول عظمى “مثل الولايات المتّحدة (كما فعلت دولة مجاورة) أو روسيا أو الصّين أو الاتّحاد الأوروبيّ؟

 

حكمة البابا وحنكته ونزاهته وعزّة النّفس

الحبر الأعظم الرّومانيّ خليفة القدّيس بطرس أوّل الرّسل أي الحواريّين وراعيهم وهو في نفس الوقت، منذ العصور الوسطى وبالذّات منذ القرن التّاسع عشر الميلاديّ، مكرهًا، رئيس دولة مستقلّة عن إيطاليا (وخلق كثير يخلط بين الدّولتين إلى ايّامنا!) رسالته الأولى التي تشغل 90 بالمئة من خدمته هي روحانيّة أخلاقيّة راعويّة تعليميّة خيريّة إداريّة للعالم الكاثوليكيّ مترامي الأطراف. لذا، كرئيس دولة يزورها قداسته، لا يحقّ له التّدخّل في شؤونها الدّاخليّة. ولكن ،كأوّل زعيم دينيّ في العالم، واجبه – من غير تطفّل- أن يعلن الحقيقة الدّينيّة ويدعو الدّول والأفراد إلى الخلق القويم، “في وقته وفي غير وقته… بكل أناة وتعليم”، سواء رضي عنه القوم أو لم يرضوا، لأنّه إذا “توخّى رضى البشر، لما كان خادمًا للمسيح” (غلاطية 1: 10).

 

مواقف بابويّة جريئة في قضايا عديدة حسّاسة يغلب فيها انتقاد غير مباشر من قداسته لسياسات ومعاملات في الإمارات وسواها!

في قمّة الدّبلوماسيّة ونحافة التّعبير وأديب الكلام وذروة الاحترام واللّياقة في الصّراحة والمهارة في إيصال الرّسالة بكل “وداعة ووقار”، كما أوصى الحبر الرّومانيّ الأوّل القدّيس بطرس، ما توانى البابا فرنسيس في إطلاق مبادىء دينيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة وسياسيّة (من ناحية الأخلاق وحقوق الإنسان) ربّما لا يحترمها مضيفه. “ولا يستحيي قداسته من الإنجيل” (رومية 1: 16)، مع احترامه للأديان الأخرى ولا سيّما الموحّدة. وهذه أحداث يجدر بالمحلّل النّزيه ألاّ يغفلها: قبل مغادرة البابا لروما متوجّهًا إلى الإمارات، دعا من أجل اليمن. وهذه رسالة حكيمة مبطّنة تستحلف الضّمائر لإنهاء حرب شقيّة يتناحر فيها الأشقّاء، وقسم من الرّسالة البابويّة موجّه بشكل غير مباشر إلى الإمارات، بلا خجل ولا وجل. وعلى أرض شبه الجزيرة، دعا قداسته، بلا لفّ ولا دوران، إلى المساواة في الحقوق بين المواطنين، وقداسته يعلم أنّ هنالك تجاوزات في معظم دول العالم، ولاسيّما في الشّرق الأوسط وإفريقيا وآسية، وأنّ فرقًا شبه “طبيعيّ” في المعاملة موجود أحيانًا بين مواطن ووافد، وربّما تمييز من حين إلى آخر على أساس جنسيّة أو عقيدة، بصرف النّظر عمّا يعلّمه الدّين وينصّ عليه القانون المكتوب على الورق…

أمّا إصرار البابا على “الحرّيّة الدّينيّة” خصوصًا في العالم الشّرق الأوسطيّ (كما فعل سينودس الأساقفة في روما سنة 2010) فإنّه جرأة ما بعدها جرأة، خصوصًا في خليج ما أعطى حرّيّة العبادة الشّاملة إلاّ قبل عقود محدودة أو سنين معدودة. ومسألة “حرّيّة الضّمير” تحدّ لكل الأديان والكنائس. ويبدو أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة هي الوحيدة التي أعلنت قبولها لها، في المجمع الفاتيكاني الثّاني في السّتّينات من القرن الماضي. وما زالت بعض الأوساط “المحافظة” تنتقد الكنيسة الكاثوليكيّة لذلك القرار، طبعًا لأنّ هذه المجموعات إمّا أساءت فهمه أو تريد ببساطة في الدّين إكراهًا.

ومعروف حبّ البابا الحاليّ للفقراء وبسطاء القوم والمنبوذين وتمسّكه بالبساطة والفقر، بحيث أتى كلامه لصالحهم، وإن كان رقيقًا أديبًا، أتى حسامًا قاطعًا ولومًا ساطعًا- وإن كان رقيقًا غير مباشر- لميل عند الأثرياء بإهمال البائسين وتحقيرهم وهضم ما تبقّى لهم من حقوق وإغفال معاناتهم والافتخار بالممتلكات والتّباري في النّوافل ومظاهر الرّخاء والكماليّات. ودخول البابا في سيّارة بسيطة وسط أفخم السيّارات في قصر منيف عبرة صامتة بليغة. ولدى حبر أعظم من العالم الثّالث، مشغوف باللاّجئين والمهاجرين لأنّه ابن إيطاليّين هاجروا إلى الأرجنتين، يسود الوهم عند قداسته أنّ كلّ اللاّجئين والمهاجرين إيطاليّون معوزون هاجروا إلى بلاد الذّهب والفضّة، وما تغيّرت عليهم، لقرب الإيطاليّة من الإسبانيّة والبرتغاليّة وكثلكة أمريكا الوسطى والجنوبيّة لا عقيدة ولا ثقافة ولا لسان ولا حضارة. ولا يخفى على أحد عدم تألّق دول الخليج في استقبال مهاجرين أو لاجئين عرب وإن كانوا مسلمين. وواضحة مشكلة المذاهب والصراعات.

 

خاتمة: حرّيّة التّعبير في هذه المقالة أيضًا!

ما كلّفت الإمارات الدّاعي بالدّفاع عنها ولا برفع لوائها، ولا فعل الفاتيكان. فالفكر في الكنيسة الكاثوليكيّة حرّ، ولا وظيفة كنسيّة رسميّة دبلوماسيّة إعلاميّة للدّاعي بحيث له ملء الحّرّية في التّفكير والتّعبير. وإذ يشكر لهذا المنبر الأغرّ تكرّمه بإعطاء مساحة وإطار وموقع إعلاميّ، يحلو له أن يستشهد بكلمات الكتاب المقدّس حول صفوة “العرب” الّذين كانوا في المدينة المقدّسة يوم العنصرة سنة 30 للحساب الميلاديّ مع برثيين وعيلاميين وسكّان ما بين النّهرين وإقريطيشيّين: “إنّنا نسمع الرّسل (أي الحواريّين) يحدّثون بمعجزات الله في ألسنتنا” (أعمال الرّسل 2: 10).

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.