“الإنجيليّون” الفلسطينيّون والعرب… ومشكلة”الصّهيونيّة المسيحيّة”

أشخين ديمرجيان

لفت نظري مقالاً للمحامي جوناثان كُتّاب عن هذا الموضوع، نشرته صحيفة “القدس” الغرّاء قبل أيّام ، حيث حاول أن يعالج معضلة طوائف من المسيحيين العرب ولا سيّما الفلسطينيين، أي جماعات لا توجد فيها هرميّة ، ولا مرجعيّة محلية أو دوليّة معروفة، وتتمتّع بقدر كبير من الاستقلاليّة وتصنّف نفسها أنها إنجيليّة : خصوصًا من المعمدانيين والمتجدّدين والسّبتيين. ومع الكاتب حقّ أنّ لا موقف موحّد بينها حول أية قضية من إنسانية واجتماعية وسياسية، مثل القضية الفلسطينيّة. ولا شكّ أنها، بشكل أو بآخر، خاضعة لتلك الكنائس الأمّ الأجنبيّة الّتي تموّلها وتدعمها وتساعد كثيرين منها على الهجرة.

ونقرأ بين السّطور، وسط صراحة بنّاءة، أنّ صعوبة اتخاذ موقف موحّد – لدى تلك الطوائف غير المعترف بها – تأتي أوّلاً ، كما أسلفنا، من “انعدام النظام الهرميّ فيها”. وثانيًا: اللجوء إلى”تفسير الأفراد والمجموعات للكتاب المقدّس – كلّ كما يراه مناسبًا لمخططاته وأهدافه” – وهي تتوهّم أنّها تتبع الكتاب المقدّس أو تنطلق منه. ولو اتّبعت فعلاً الكتاب المقدّس الذي هو واحد وواضح، لوصلت إلى موقف واحد من قضية فلسطين مثل الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية.

ما وراء الكواليس

يذكر المحامي جوناثان كُتّاب في مقاله أنّ الفئات سالفة الذكر عددها ضئيل. ولا عجب في ذلك، لأنّ هذه الفئات لا تكرم سيّدتنا مريم العذراء، وليس لديها إقبال على المقدّسات ولا مكان لها فيها، بل تهتمّ بشكل عام الرئاسات الأجنبية وخصوصًا الأمريكية بجمع الأموال لإعادة بناء الهيكل اليهودي. وشعبنا بمسيحييه ومسلميه يحبّ العذراء مريم “المصطفاة على نساء العالمين”. ويوقّر المقدّسات التي هي برهان الأصالة والقداسة في أرضنا. ومن ناحية تاريخية يبدو أنّ أوّل فئات من هذه الجماعات التي ترفض تعميد الأطفال جاء إلى فلسطين سنة 1920.

كان الأستاذ جوناثان، كما عهدناه دومًا، جريئًا صريحًا واضحًا لا يلفّ ولا يدور. ولم يتردّد أن يبيّن عندهم ضرر التفسير الحرفيّ ونزع النصوص من سياقها وتطبيقها على حقائق سياسية معاصرة، ممّا جعل كثير من “الإنجيليين” الأمريكيين وسواهم يدّعي ويتوهّم أن إسرائيل اليوم تحقّق النبّوات من العهد القديم، مع أنّ معظم زعمائها ملحدون، كما يشجّعون على الإسراع في تمويل إسرائيل وتسليحها لينتصر المسيح في المعركة الأخيرة “أرماجدون” ، وكأنّ شعبًا لا يؤمن خمسة وتسعون بالمئة منه بالمسيح سيكون جيش المسيح !؟

وربّما أغفل المحامي جوناثان كُتّاب التّفاصيل التّالية لتأكّده أنها لا تخفى على المراقب اللّبيب، إذ هي من ظواهر الحياة البشريّة، المتأرجحة بين المبادىء والمصالح. معروف تعصّب تلك الفئات الأمريكية وسواها للصهيونية، بحيث هم يهود أكثر من اليهود. لذلك، يضعون أتباعهم العرب (خصوصًا الدّعاة والنشطاء)، في مأزق مفاده: “إمّا تمشي معنا في تأييد إسرائيل أو تفقد وظيفتك. واذهب لإيجاد وظيفة أخرى في الضفّة الغربيّة”. فيقع الموظّف العربيّ بين نارين. ويشرّف شعبنا أنّ كثيرين تركوا تلك الحركات وضحّوا بالمال وتمسّكوا بالمبدأ المسيحي والأخلاقي والوطنيّ. وما تركتهم العناية الإلهية وعائلاتهم بلا مغيث أو نصير في الرّزق الحلال.

وأصعب من هذه المشكلة الحياتيّة الوجوديّة مسألة المبدأ، فقد بلغ التأييد الأعمى للصّهيونيّة عند ملايين من “الإنجيليّين” الأجانب السطحيين في تفكيرهم، وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة، أنهم باتوا منذ قرنين من الزّمان يدعمون إسرائيل، وينبذون العربي وخصوصًا الفلسطينيّ الذي يحب وطنه ويطالب بأدنى قدر من حقوقه. يعني : مَن لا يؤيد إسرائيل ليس مسيحيًّا، ومن “يحارب إسرائيل يحارب الله” (من كتاب “خلاص أبدي من عالم دينونته قريبة”) .

في الختام : هذه المشكلة والإحراج دعوة إلى الرّجوع إلى الكنيسة التقليديّة الرّسوليّة

هذا المأزق الّذي أشار إليه المحامي كُتّاب، هو دليل على أنّ كلّ ما يخالف المنطق ، وكذلك كلّ مَن ينبذ الانتماء لوطن سليب ويحتقر شعبًا مظلومًا يطالب بحقوقه، ليس ولا بأي شكل من الأشكال مشيئة الله ولا مراد الكتاب المقدّس وليس بمسيحيّة حقيقية. فالله “عادل يحبّ العدل، ويسكن بيته المستقيمون”. ولا دين بلا عدل.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.