الأخ نور اللّبنانيّ: النّاسك الإعلاميّ

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

نسمع عنه كثيرًا. ونادرًا ما يظهر. ولا يغادر، منذ عشرين سنة على الأقلّ، بناية “نورسات” التي يبدو أنّ أحد الأثرياء أهداها إيّاه. إنّه الأخ نور الّذي تحمل محطّة تلفزيونيّة فضائيّة اسمه، مع معارضته. ويظهر أنّ أسرة الأخ نور كانت ميسورة الحال. ولكنّه شعر بدعوة من السّماء أن يزهد بحطام الدّنيا وأن يلبس المسوح ويقتات من الخبز والماء وينام على الأرض. وسخر منه خلق كثير في أوّل الأمر. وفي الحرب الأهليّة، لحظ أنّ ما من صوت للكنيسة في لبنان، فأسّس بإمكانيّات محدودة محطّة إذاعة. ثم طلب منه الناس أن تكون هنالك شبكة تلفزيونية. فقدّره الله على ذلك قبل أكثر من خمس وعشرين سنة. وكان الأخ نور قد قدّم لجمعيّة المرسلين اللّبنانيّين الموارنة (“الكريميّين”) محطّة تلفزيون أخرى فضائيّة هي “صوت المحبّة”.

قبل نحو أربعة اشهر، ترك الأخ الفاضل نور رسالة صوتيّة إلى الدّاعي، داعيًا إيّاه إلى لبنان وإلى مقرّ “نورسات – تِليلوميار” لوضع التّحصيل الأكاديميّ في الكتاب المقدّس في خدمة المشاهدين ، وخصوصًا لاستنشاق شيء من عبير فلسطين، فردوسنا المفقود، ولأداء شهادة من القدس أمّ الكنائس وأولى القبلتين التي يحنّ إليها في لوعة وانكسار قلب معشر اللّبنانيّين والعراقيّين والسّوريّين وحتّى بعض الأردنيّين والمصريّين وسواهم من العرب. وما رأيتُ لبنانيًّا إلاّ ذكر فلسطين، ولا سيّما النّاصرة وبيت لحم والقدس، بشوق وحزن كبيرين، وقد اغرورقت العيون بالعبرات لحرمانه من أن يؤمّ مقدّسات زهرة المدائن عروس عروبتنا. مسيحيّون ومسلمون اجتمعوا على هذا الحنين وهذه الأمنية.

وكما تقول اللّهجة اللّبنانيّة، “حظيت” برؤية الأخ نور. وشكرت الله الّذي قدّره أن يشيّد هذا الصّرح الإعلاميّ المسيحيّ المسكونيّ الّذي هو أيضًا منبر لشخصيّات إسلاميّة وسطيّة عزيزة.

 

نعمة محطّات تلفزيونيّة مسيحيّة مسكونيّة واسعة الآفاق في الشّرق الأوسط

إنّها من نفحات لبنان “سويسرا الشّرق” و”قطعة من سماء”. يتعانق فيها الكاهن الكاثوليكيّ مع أخيه الأرثوذكسيّ. وهنالك مجال للإمام المسلم. وثَمّة اتصال دائم، عن طريق برامج مصوّرة في الجليل، مع مسيحيّي فلسطين، ومع الأردن وسواهما.

 

الاستفادة من تقدّم علوم الكتاب المقدّس والإفادة

يقدر المرء أن يشيد، من غير التّقليل من شأن أحد، بمقدّمي برامج نورسات وضيوفه. ويحصر المرء الكلام هنا في الكهنة. فهنالك قدس الأب الفاضل سليم اللّبنانيّ الكبّوشيّ (وهو فرع من الفرنسيسكان) ضليع في تاريخ الكنيسة. ودوره ذو شأن رفيع بما أنّه يبيّن للمشاهدين في كلّ المعمور ما تغفله كتب “التاريخ المدرسي والجامعي والموسوعات” عن فضائل الكنيسة وأفضالها ويصحّح ما شاع من أخطاء ، عفوية أم مقصودة، حول هذا التاريخ الطويل العريق. وها هم متخصصو الكتاب المقدس يقدّمون كلمة الله في إطارها الثقافي الأدبي اللغوي التاريخي مع ثبوتية المخطوطات. فيتوفقون حينًا في إيصال المعلومات -ويخفقون حينًا، إذ تنقص معظم المشاهدين معرفة الأساسيّات في علوم الكتاب المقدّس. وها هو قدس الأب وليد نقولا مع الاستاذ جابي خوّام يردّان من التّوراة والإنجيل على الأسئلة والاعتراضات في برنامج “الجواب من الكتاب”.

 

برنامج “وقفة مع مريم” للسيّدة سلام الخوري  

ولعلّ ” تلفزيون مريم” توأم لنور سات أو متفرّع منه، في نفس العمارة، الطّابق العاشر، يحلّق بالنّفوس لعبادة لله أصيلة وإكرام للسيّدة العذراء المصطفاة على نساء العالمين الأثيلة. وفي هذه الأيّام تمّ لقاء لتصحيح خطأ صدر عن أحد غير المتخصّصين الّذي كان قد توهّم أنّنا، عندما نكرم العذراء، لاشعوريًّا نفكّر في “المعبودة الأمّ أرطاميس”. وبصواب نفرَ المؤمنون من هذا التقارب والمؤمنات. وانتقدوا ليس فقط أسلوبه غير الموفّق، بل مضمونه الخطير المغلوط. وفعلاً، يجب أن يشكر ذلك الإنسان كنيسة روما أنها ألغت محاكم التّفتيش منذ قرون طويلة. وكيف نفكّر نحن معشر المسيحيّين المشرقيّين بأرطاميس لا شعوريًّا أو حتّى في المنام، وما سمع أجداد أجدادنا اسمها، في أقطاب المسيحيّة الأولى، من القدس إلى فيلادلفيا (عمّان) إلى بئروت أي بيروت ودمشق وإنطاكية والإسكندرية وروما، وهي اي أفسس على بُعد سفر سنة من بلادنا المقدّسة؟ وكيف يجرؤ أحد أن يقابل السيّدة العذراء بأرطاميس- حاشى – وهي أي أرطاميس قتّالة قتيلات اي بنات “المعبودة” نيوبيه وهوايتها الصيد؟ وكيف يدّعي أحدهم تشابهًا مع أنّ الكتاب المقدّس والكنيسة لا يعلّمان ولن يعلّما أبدًا أنّ العذراء- معاذ الله- معبودة، بل هي مكرّمة إكرام الأمّ الوحيدة والبتول الفريدة. وكان الأستاذ الصّحفيّ المخضرم محمّد حزايكه قد أشاد بمحبّتنا للعذراء والذّود عن إكرامها، وذلك على صفحات جريدة “القدس” الغرّاء، فكانت كتابته تشجيعًا لنا وحافزًا في الدّفاع عن المباركة في النّساء!

 

خاتمة : استقلالان غير كاملين

احتفلنا مؤخّرًا بإعلان الدولة الفلسطينيّة، وبين أيدينا إعلان وحكم ذاتي لا دولة. واحتفل اللّبنانيّون يخمس وسبعين سنة على استقلال ليس أكيدًا ولا وطيدًا. فمتى سينعم شرقنا الأوسط براحة البال وبوسطيّة الشّرق؟!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.