في رحيل الأخت الرّاهبة جلبرت صليبا أمّ المرضى والمستضعفين

عانقت مدن فلسطين فلها الشّكر منّا والدّعاء والحنين!

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

ليست هذه الكلمات رثاء ولا إطراء بل هي – كأضعف الإيمان- إحقاق للحقّ وفتح لعيوننا وقلوبنا على إحدى الشّخصيّات الفذّة الّتي أحبّت الله والإنسان ووقفت للخالق حياتها والخليقة، لا تريد من حطام الدّنيا شيئًا، ولسان حالها يقول للباري المحب المحبوب: “ماذا لي في الثّريّا؟ وفي غيرك، اللّهمّ، ما رغبت على الثّرى!” ولعلّ إدارة هذا المنبر الأغرّ تلفت الأنظار إلى أنّنا لو أعطينا كلاًّ من عظماء المتوفّين بيننا- رحمهم الله جميعًا- ما يستأهلون من حيّز لما بقي في الصّحف للأحياء مكان! لذا، لا بدّ من الإشادة بايجاز هنا بهذه الرّاهبة جزيلة الفضيلة وأن نخصّص بشكل عامّ في ملفّات تاريخنا وأدبنا- الممزوجين بالدمع والدم- أولئك “القوم النّجباء” الّذين ما غادرونا إلاّ بالظّاهر وهم “في باطن الأرض أحياء”، “تذكارهم خالد لا يخشى خبر السّوء”، وإن كان أسوأ ما يحصل لهم هو النّسيان ولنا.

 

الرّاهبة جلبرت سورية الأصل لبنانية المولد فلسطينيّة القلب مقدسيّة ناصريّة نابلسيّة في الوجدان!

دعتها العناية الإلهيّة دعوتين، أوّلهما إلى وقف ذاتها، نفسًا وجسمًا، لخدمة الله في الإنسان، إذ ما أحبّ أحد الناس الله من غير أن يكون للناس محبًّا. وتكللّت دعوتها الرّهبانية في سلك “راهبات مار يوسف للظّهور” من تأسيس القدّيسة الفرنسية إميلي ده فيالار. وها إنّ هذه الرّاهبة الفذّة منذ صغر سنّها تحطّ الّرحال في فلسطين، وقد أصبحنا نحن أهلها. ومن خدمات راهبات مار يوسف المدارس التي هي “جبل على رأسه نار” وكذلك المستشفيات. وقد انطلقت الكنيسة من مثال السيّد المسيح- ولا نُشبَّه- في التّعليم، وسعت بالجهد والطّب إلى نوع من تجسيد مواهب الشّفاء. ومن غير ادّعاء أنشأت راهبات مار يوسف- حيثما حللن- وما يزلن يفعلن في العالم في عدّة قارات- مستوصفات صغيرة بسيطة متواضعة كانت “توصف” بلمسة الحنان، حنان الأمّ والرّحمة، في الرّاهبة. وبارك الله في الرّهبنة فازدهرت، حتّى في وقت الحروب، مدارسها ومستشفياتها. ولئن تفوّقت أحيانًا مستشفيات وعيادات بتقنولوجيّتها على الإمكانيّات المادّية المحدودة لدى الرّاهبات، غير أنّ القاصي والدّاني، مع الاحترام للكلّ، شعر- وما يزال- بلمسة من العطف روحانيّة وكلمة من السّماء لدُنيّة أنّ هذه الإنسانة تدور في فلك رفيع قمّته تعالى عزّ وعلا ووقف الرّاهبة له حياتها كلّها وللإنسان. وهذا لا يعني الخلوّ من هفوات البشر.

 

لأكثر من ستّين سنة خدمت الرّاهبة جلبيرت بمحبّة ضمّت الحقّ مع الأفضليّة للمظلومين

يمكن القول أنّ الأخت بل الأمّ جلبيرت حملت مسؤوليّة مستشفى مار يوسف في القدس منذ أواخر السّبعينات، ونحن في عزّ الّذل. فلا قنابل ولا تبادل إطلاق نار ولا قصف بالطّائرات ولا منع تجوّل أوقفت تلك الرّاهبة التي تشرّفت بمقدسيّة زهرة المدائن فكانت من جند السلام ومن جحافل العدالة ومن محاربي الحروب ومن المتصدّين لقوم الجور. وكما قال أحد الممرّضين وهو يذكر بالعبرات السّخينة حنانها وذكاءها الفذّ وفي نفس الوقت عدم انجرافها وراء العاطفة لتأييد جائر أو طمس مستضعف: ” كان شعارها أنّ “المحبة لا تفرح بالظّلم بل تفرح في الحقّ”. وأغنى حكمتها الكتاب المقدس والكنوز الروحانية والأدبيّة وهي تبدأ بنفسها المبدأ الذي ورد في سفر الأمثال:” الذي يحسن المحبّة يحسن التأديب والعقاب. إنّ الّذي يوفّر “العصا” (وهي في أيّامنا معنويّة) يفسد نجله”. وبالتّبحّر بالأدب الفرنسيّ، كأننا بالمرحومة بدايةً بذاتها ثم مع الآخرين، تردّد بيت الأديب الفرنسي نقولا بوالو :

Aimez qu’on vous conseille, et non pas qu’on vous loue “

الذي يمكن تعريبه كالتّالي:

“أحبّوا النّصح والنّقد الصّدوقا                   بلا مدح وإن كان رقيقا”

 

شجاعة نقل إدارة المستشفى إلى علمانيّين أكفاء

“رحم الله امرأ عرف قدر نفسه”. والأخت جلبرت أدركت، مع تطوّر التكنولوجيا والعلوم والفنون ودقائق الأمور الإداريّة، أنّ علمانيّا أو علمانيّين أولى بإدارة المستشفى. فتركت لهم الإدارة عن طيب خاطر، واكتفت “بالحصّة الفضلى” أي الإرشاد الروحاني وإسعاف الفقراء وضمّ الأفراد والعائلات المتألمة والمنكوبة تحت كنف حنانها الوالديّ.

 

إكبار المرحومة للعملاق أبي مروان ولصحيفة “القدس” الأثيلة

لا ينسى الدّاعي ذات يوم أحد حيث قصد الأخت جلبرت طالبًا لأحد الرّعايا خدمة. وكانت- من غير اليوم- تطالع صفحة المقالات الدّينّة. وما ترددت-طيّب الله ثراها- أن تعرب عن موقفها القديم الجديد: “أبت، هذه الصحيفة مهمّة، لا مهنة، ورسالة لا حرفة. “كَفّي” في اللهجة العامّيّة، أي استمرّ في الكتابة فيها، وكلّ الإكبار لعميد صحافتنا الفلسطينيّة وفارسها وللقائمين عليها!” لم يكن هذا حُلمًا (بضمّ الحاء) بل هو من العلم والحقيقة تشهد له أخواتها في الرّهبنة. ويسرّ الدّاعي بتأثّر أن يورد هذا الموقف وهذا الوعي، ليس فقط من باب عرفان الجميل لصحيفة “القدس” بل لكلّ الصّحفيّين المناضلين الّذين لا يباعون ولا يُشترون والذين “لا يخشون لومة لائم”.

 

خاتمة

قال السيّد المسيح: “من ثمارهم تعرفونهم”! فلنذهبنّ، جسدًا أو روحًا، إلى مستشفياتنا المقدسية الفلسطينيّة من غير استثناء، على محدوديّاتها، ولكن لنركّزنّ على “مار يوسف” وعلى الأجنحة التي أهدتها الإمارات والعائلات وعلى بيئة الإيمان بالإله الشّافي وعلى حنان غامر يتمثّل في الأسرة المقدّسة المكوّنة من السيّد المسيح والسيّدة العذراء مريم والقدّيس يوسف.

وإلى روحك الطّاهرة، أيّتها الأخت جلبرت، تحيّة ورع وحنين ومودّة نبادلك إيّاها عبر الزّمان وفوق المكان، وقد اختارك الله وخيّرك فاخترت “النصيب الأفضل الذي لن يُنزَع منك” وبعد أن “أخذت من الآلام قسطك كجنديّة صالحة للمسيح يسوع”، أهّلتك النعمة الإلهيّة أن “تدخلي نعيم سيّدك”!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.