بين الأعياد وضيق عيش العباد

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

بدأ شهر أيّار مع إكرام خصوصي للسيدة العذراء منها السلام في عبادة الإله الواحد محبّ البشر ومخلّصهم الوحيد، له المجد أبد الدهور ، وهو ملك الدهور الخالد . وبعد أيّام يستهلّ شهر رمضان لصوم مبارك فضيل بعد نهاية الاحتفالات الفصحية بعيد القيامة السيّديّة. ولا يجوز لأحد، كما يفعل أصحاب البدع، أن يتذرّع بنفقات الأعياد أو بالإفراط فيها في المأكل والمشرب والنفقات لحذف الأعياد وتجاهلها وعدم التهنئة فيها (في مدرسة اليهود التلموديين) وعدم الصلاة. كما لا يجوز في الأتراح عدم الصلاة في الكنيسة عن روح الفقيد أو الفقيدة بذريعة أن القوم في حداد، في حين أنّ لا شيء ينفعنا للسلوى ولا موتانا للراحة الأبدية غير الصلاة، كما كتب القديس بولس: “أمّا التّقوى فإنها تنفع في كلّ شيء، إذ لها خيرات هذه الدنيا والآخرة”.

 

تصويب بعض الأفكار المغلوطة الحديثة المحدثة المستحدثة الدّخيلة الأمريكيّة

على خلفيّة دنيويّة خفيّة لا تخلو من صهيونية سياسية، رجع خلق كثير من الأمريكيين المنشقين عن الكنيسة إلى الفكر اليهوديّ البدائيّ بمعنى السعادة على الأرض وحتى “حياة أبدية في فردوس” على هذه الفانية! وانطلاقًا من هذا التفكير المخالف للإنجيل المقدس ولمقاطع واضحة من العهد القديم نفسه (مثلاً من سفر دانيال والمزامير والمكابيين)، ركّزت تلك الجماعات والأقرب إلى الصواب إحداها، في الثمانينات من القرن الماضي، على جنّة عدن حيث كان ابوانا الأولان “كاملين” “في البرارة وقداسة الحقّ”. ولكن هذا الكمال لم يدم طويلاً إذ “عصى آدم ربّه” وخضع لإغواء التمرّد وسرعان ما دخلت الخطيئة إلى العالم وعكّرت الينبوع فانتقلت الخطية من جيل إلى جيل، وها هو الإنسان، حسب التعبير القرآني، المخلوق “في أحسن تقويم” ها هو مردود “أسفل سافلين”. ويستغرب المسيحي الرسولي العريق من إصرار تلك الجماعة على “كمال” آدم الذي دام قليلا. ويدرك اللبيب أنّ الهدف، حاشى، التقليل من قدر السيد المسيح بالقول : “المسيح كامل مثل آدم قبل الخطيئة”! فأين هو آدم بلا خطيئة؟ وما افتدى المسيح الإنسانية فقط وأساسا لأنه “كامل” (مثل آدم سابقا!) بل لأنه تجسد كلمة الله (يوحنا 1: 1- 2، ثم 14). “وبكلمة الله صُنعت السماوات وكل ما فيها من قوّات”، “به كان كلّ شيء” وهو كإنسان بداية أو بكر إنسانية جديدة، “آدم الجديد” وآدم القديم في خبر كان.

ولا تأخذ فئات من المسيحية – بما أنها عليها مقحمة ودخيلة- لا تأخذ إلاّ “العشاء التذكاري”. صحيح أنّ المسيح قال: “اصنعوا هذا لذكري” بعد أن أعلن: “هذا هو جسدي” ( لا “هذا يمثّل جسدي” كما في ترجمة غير مسيحية أمريكية) وأيضا: “هذا دمي” (وليس “هذا يمثّل دمي”). صحيح أن وصية المسيح مكتوبة واردة وتطبقها الكنيسة الكاثوليكية يوميًّا بالاحتفال اليومي بالقداس وليس فقط مرّة في السنة، تتميما لنبوة الله في سفر ملاخي: “لأن اسمي عظيم بين الأمم ، وفي كل مكان، من مشرق الشمس إلى مغربها تُرفع (في المجهول) لاسمي تقدمة طاهرة” (1: 11). هذا هو التعظيم وهذي هي العبادة لاسم الله أي القدّاس عندنا نحن المسيحيين، لا التشدق الأمريكي اليهودي بإعلان اسم “يهوه” الذي لا يرد في العهد الجديد والذي يعترف قوم بروكلين أنهم لا يعرفون لفظه بشكل أكيد! والقداس الذي هو التقدمة اليومية الطاهرة لاسم الرب ليس ذبيحة جديدة بل إحياء لتضحية المسيح والعشاء الأخير. وكان القديس العبقري الإيطالي توما الأكويني قد لخّص أهداف البدع: “التقليل من قدر السيّد المسيح” ،إمّا بالطعن به مباشرة كما يفعل التلمود وتلاميذه بإنكار سموّه، أو بالتشنيع بوالدته الطهور وكنيسته المقدّسة. “ومن شابه أباه التلمودي ما ظلم”!

وبنفس الوضوح “اصنعوا هذا لذكري” وردت في العهد الجديد، في الأولى إلى القورنثيين، الوصيّة أو التوصية الملحّة فيها الحثّ الملحّ: “ذُبح المسيح حملنا الفصحي أو فصحنا، لنعيّدن لفطير الخلوص والحق”، عيد ذبح الحمل الفصحي أي ذبيحته وعبوره بالقيامة (5: 7- 8).

 

هموم العباد في الأعياد

أعلنت الصحافة الفلسطينيّة وعلى رأسها صحيفة “القدس” الغرّاء اعتزام الحكومة القيام بعشرات المشاريع التنمويّة لقطاع غزّة، وعزم الحكومة على مواجهة التحديات وقهرها بإذن الله. والأحوال الاقتصادية سيئة في عدة دول عربيّة مجاورة احتار فيها المواطن المسكين بين الاحتماء من الحديد والنار والرصاص من جهة، ومن آفة الفقر والعوز لنقص الأشغال وتدهور الأعمال، من جهة أخرى، وقد تم بقصد أو بغير قصد تجويع هذه الجموع، كما ورد في إحدى المراثي الأبجدية المنسوبة إلى إرميا النبي، والأطفال لا يرحمون: ” ل – لأمّهاتهم قالوا: أين القمح والخبز وثمار الكرمة؟” وقد خارت نفوسهم على صدور أمّهاتهم!” كيف اكدرّ الإبريز الذهب الخالص؟” وفي هذا المعنى صرخ داود النبي: “نزل الهوان على الكرماء وضاعوا في صحراء تيهاء عمياء”. ونحن اليوم في صحراء السياسة الدولية وغياهب المكائد والدسائس العالمية ونحن نخشى تدهور الأوضاع- أكثر ممّا هي عليه- بعد الإفصاح عن “صفقة القرن” !

 

خاتمة

للإسلام شيوخه وأئمّته وفقهاؤه وأهل الإفتاء فيه بحيث لا يحتاج أحد أن يتطفّل على المؤمنين ويوصيهم – من الخارج- بالحكمة في النفقات في الشهر القادم الفضيل. وليُسعفنا صبر أيّوب ولتُشجّعنا أسوة الأنبياء والقدّيسين للعمل الصالح وصلة الرّحم وليشحذ عزائمنا مثال شهدائنا وأسرانا الذين هم في القلب أحرار والفكر أحياء!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.