اليوروفيزيون: من موسيقى العبادة إلى “ألحان” الظّلم

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

لا يستطيع المرء أن يتطرق إلى موضوعنا من غير الإشادة بالملك الأردنيّ عبدالله الثاني بن الحسين لتبرّعه السخيّ بترميم كنيسة القيامة على نفقته الخصوصيّة. وليست هذه المرّة الأولى بل الثالثة على الأقلّ بعد تبرّعه للقبر المقدّس وكنيسة المغطس. وكان والده المغفور له الحسين الأوّل بن طلال قد تبرع بترميم قبّة الصّخرة وهي ذات قيمة دينيّة وتاريخيّة كبيرة تجعلها من الآثار العالمية وليس فقط للمسلمين. ولا تأتي هذه السطور لا تملّقًا ولا تزلّفًا بل اعترافًا بالأفضال واغتباطًا بمثال صالح يعطيه زعماء مسلمون لتتميم الهدف الإلهيّ حسب النص القرآني أنّ الله جعلنا “شعوبًا وقبائل” لنتعارف. وتأتي هذه الخطوة الملكية السامية في خضمّ حروب أهلية في بلاد مجاورة حيث يقتل المسلم أخاه المسلم ويقتتل المواطنون من كلّ الملل … في تلك الحروب الطاحنة. ويجب أن نصلح بينهم!

والمكرمة الملكيّة إصلاح وتعبير عن المودّة للّذين “قالوا إنّا نصارى” (سرة المائدة 83). هذه هي الأريحيّة العربيّة الأصيلة. ولا ننسى أنّ الأردن ولبنان هما أكثر دولتين استقبلتا اللاجئين الفلسطينيين.

 

الموسيقى في الغرب

يتخيّل النّاس أنّ الموسيقى انطلقت من الوثنيين وبعدها التقطها العلمانيّون الغربيّون وقدّمت أشجى الأنغام حتّى العقود الأخيرة حيث تدهورت إلى ضجّة وصراخ وتراقص هو إلى عدم اللّياقة أقرب وعن الفنّ الرّفيع أبعد. ولكن الواقع أنّ الموسيقى بدأت في الكنيسة، سامية مقدّسة، يصلّي فيها المؤمن مرّتين على أنغام الجمال والمشاعر الدافئة التقيّة الورعة. وهكذا بات الموسيقى ، مثل أجمل ما في الحضارة الغربيّة، في الكنائس والأديرة ومعاهد الدين. وحفزت التقوى فن الموسيقى فارتفعت وتألّقت بسموّ الرّوح.

وفي القرن التاسع عشر هيمن التمرّد على الكنيسة بشتّى الذرائع. وأخفت كتب التاريخ المدرسي- وما تزال- المذابح التي ارتكبها المحتجّون والملحدون، مثلاً في فرنسا مذبحة مقاطعة “فاندييه” التي يشيد بها باستمرار فيليب ده فيلييه ومؤخّرًا الكردينال المميّز روبرت ساره ذو الثقافة العالية والورع المثاليّ والمنطق القويم والحس السليم والرؤيا الصائبة والشجاعة النادرة. وأغفلت كتب التاريخ اغتيالات الثوّار الفرنسيين لرهبان وراهبات كانوا من أعمدة الورع والعلم والثقافة والإحسان. وما فات هنري الثامن أن يدمّر مئات الأديرة ويغتال العديد من الرهبان منهم الشهيد ثوماس مور. وما تردّد أحد زعماء الاحتجاج في ألمانيا على التحريض على الفلاحين، فاغتيل منهم آلاف.كما قُتل في روسيا سنة 1917 وبعدها العشرات من الأساقفة والرهبان .

وبقيت الموسيقى مقبولة نوعًا ما، ما خلا الأغاني الطاعنة بالكنيسة وبالقديسين. ومنها ، حاشى، ما تطاول على الذات الإلهية وانحطّ إلى دركات عدم الحياء والسّماجة والسّخافة.

وانطلقت من الولايات المتحدة، وهي منبع البدع المسيحية وأمّها، كما كانت مقاطعة “أرابيا” الرومانية في الماضي”، انطلقت حركة الروك أند رول ثم الفرق الغريبة صاحبة الحركات الطائشة “والألحان” الصّاخبة المصمّة للآذان والمخلّة بالعقول كما نشهد اليوم.

 

اليوروفيزيون

أي مسابقة أغانيّ بين الأوروبيين. وزيدت عليهم إسرائيل لأنها في آسيا جسم غريب، يحيط بها “أعداء” ليسوا في الحقيقة سوى مواطني دول آمنة عريقة قديمة منذ قرون من الزمان لا تريد شعوبها البسيطة العاطفية إلاّ أن “تعيش وتترك الناس يعيشون”. فرض عليهم الاستعمار والصهيونية هذا الكيان على حساب دولهم وبلادهم، وبسبب الكيان العبري حلّت النكبات والنكسات والحروب الأهلية والدمار بين دول المنطقة.

انعكس الأمر على اليورفيزيون كما أسلفنا. وربما كان “أنسب” أن تُضَمّ أسرائيل في مسابقة الأغاني إلى الولايات المتحدة لكثرة التصاق الواحدة بالأخرى أو لدول متعاطفة معها تريد التطبيع أو حقّقته خلسة أو علنا. زاد الطين بلّة هذه السنة أنّ اليورفيزيون سيُقام في تل أبيب، ضاربًا بعرض الحائط القوانين الدوليّة ومشاعر العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خصوصي. والمصيبة أقلّ وطأة لأنّ المسابقة لن تتمّ في القدس.

ربّما لحظ القارىء الكريم استخدام لفظة “أنغام” ومعناها إيجابي جيّد، في حين أنّ “ألحان” (وهي غلطة شائعة تقصد الأنغام) تعني في العربيّة : الغلط اللغويّ وأيضًا النغم الخاطىء النشاز. نعم، تدهور كثير من الموسيقى الغربية من الأنغام إلى “الألحان”. وتقهقر اليوروفيزيون هذه السنة من ظاهرة فنّيّة حضاريّة تقرّب الشعوب الأوروبية والعالم كلّه إلى “لحن” ظُلم ومسرح جَور يرفع شأن الاحتلال والعصيان العبريَّين “الفوقيَّين” للهيئات والشرعيّة الدولية.

 

خاتمة

أمّا نحن الشّرقيّين فلنلتزمنّ دومًا بأنغامنا الرصينة والتقويّة وإحساسنا الأثيل العميق وتراثنا الشعبي العريق!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.