الحبر الأعظم الرّوماني والبطريرك القسطنطينيّ “المسكونيّ

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

انقضت أيّام عيد الفطر السّعيد وعادت هذه الصّحيفة الغرّاء “القدس”، قدسنا، إلى الظّهور. ونرجع إلى موضوعنا في آخر حلقتين منه، وهي مكانة بابا رومة كخليفة للقديس بطرس ودور بطريرك القسطنطينيّة البيزنطيّ الّذي يُحسَب أكبر بطريرك في كنيسة الروم الأرثوذكس ولكنه “الأوّل بين متساوين”.

ليست هذه المرّة الأولى التي نخوض فيها هذا الموضوع الذي لا بأس للمواطن الكريم، من مسلم ومسيحيّ، أن يدركه أفضل ممّا ترويه الشّائعات. وانتقاد السيّدة الأردنيّة المشار إليها باحترام هنا مناسبة لتوضيح الأمور.

 

بطرس الرسول ليس “خليفة المسيح”!

لا يا سيّدتي، ليس بطرس ولا أيّ من زملائه الرسل للسيّد المسيح خليفة بل هو نائب له، كما أنّ البابا خليفة القديس بطرس على كرسي رومة. ولا ينفرد بابا روما بالمطالبة بالخلافة البطرسية بل يفعل ذلك أيضًا بطريركا إنطاكية أوّلاً الأرثوذكسي وهو اليوم بطريرك أشقّائنا السريان الأرثوذكس، وثانيًا، بالخضوع إلى بابا رومة، يحمل كل بطريرك ماروني سرياني “إنطاكيّ” اسم بطرس مع اسمه الشّخصيّ. فالمبدأ البطرسيّ واضح في الكنيسة. ويتبعه أشقّاؤنا الأقباط الأرثوذكس بما أنّ بطريركهم الذي يحمل لقب “بابا الإسكندرية والكرازة المرقسيّة” يطلب الأولويّة والحبريّة بصفته خليفة “القديس مرقس تلميذ الرسول الأول بطرس”.

 

نعم، بطرس هو رئيس الرسل بإرادة السيّد المسيح وهو أي بطرس صخر الكنيسة الإنسانيّ

الرسول سمعان ابن يونا هو الوحيد من رسل المسيح أي حوارييه الّذي غيّر يسوع اسمه من “سمعان” إلى “كيفا” الصّخر. وتغيير الاسم يعني تغيير الهويّة والرسالة. وإذا قال قائل أنّ يعقوب ويوحنّا ابني زبدى أعطيا اسمًا جديدًا “بوانرجس” أي “ابني الرّعد”، أجبنا أنّ هذا لقب وليس اسمًا وكان إشارة إلى طباعهما الحادّة واشتعال غيرتهما.

ويكفي مرور سريع على بعض نصوص من الإنجيل المقدّس، بداية بقول السيّد المسيح لسمعان بن يونا بصريح العبارة: “أنت سمعان بن يونا وستُدعى (أي ستكون) كيفا أي صخرًا، صفاة”. وفي قيصريّة فيليبس اعترف سمعان ليسوع بأنه أي يسوع هو المسيح، وردّ عليه يسوع:”وأنا (بدوري) أقول لك: أنت صخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي”، وفي الآرامية كلمة واحدة في كلا القسمين من الآية: “كيفا” ، وهي مذكّرة، وتعني “صخر”، في حين أنّ اليونانية (التي ما نطق بها يسوع هنا) تحوي لفظتين “بيتروس” و”بيترا”، إذ من المحال دعوة رجُل ذكر “بيترا”. (كذلك تفسير ترتليانوس في كتابه “حول الحشمة”، 21: 9- 10). وإذا كان هنالك أخذ في هذا المضمار وردّ، كما بيّن مؤخّرًا صديق لنا متبحّر ورع، الأخ أبو الهيثم، فلا لبس في نصوص إنجيليّة أخرى منها: إعطاء السيد المسيح سمعان بطرس، بالمفرد، “مفاتيح الملكوت” والحلّ والرّبط (ويقدّم ترتليانوس هذا التفسير أيضًا)، مثل سائر الرسل وأكثر منهم، ثمّ دعاء المسيح الإنسان لسمعان بطرس وحده:”أنا صلّيتُ من أجلك، يا سمعان، فعندما ترجع (أي من جبنك وإنكارك) فثبّت إخوتك” (لوقا 22: 31- 32). لماذا صلّى يسوع لبطرس وحده؟ قد يقال: لأنه كبير السنّ. ولكن في لوائح رسل المسيح نقرأ “الأول سمعان بطرس” هنالك أولويّة قدر وسلطة وليس السن عاملا جوهريًّا وليس أكيدًا. وأخيرا وليس آخر الكل شأنًا، يفوّض يسوع بطرس لا سواه، ثلاث مرّات، أن “يرعى قطيعه، أن يرعى غنمه” بما فيهم الرسل الآخرون. وهنالك نبوّة من يسوع على استشهاد بطرس في رومة (يوحنّا 21: 18). صحيح أن “الرسولين الطوباويين بطرس وبولس أسسا كنيسة روما” ولكنهما “وكلا إدارتها إلى لينوس” حبر روماني واحد لا حبرين (حسب شهادة القديس إيريناوس).”ويستمر: “وخلف لينوس أنكليتوس ثم إكليمنضوس” أو إقليموس الذي تدخّل في كنيسة قورنثوس (في اليونان) ووجّه إليها رسالة أصلح فيها ذات البين “بسلطته الرسولية” ودعاها إلى “التزام مكان الطاعة” للحبر الروماني.

وأولويّة بطرس هي أولويّة سلطة وصلاحيّة وليست فقط “أولويّة شرف” بحيث هو للكنيسة الكاثوليكي رئيس منظور يحكم ويرسم ويقرر ويقطع بكلامه قول كل خطيب، بخلاف المفهوم البيزنطيّ الذي يرى في بابا رومة وفي بطريرك القسطنطينية “الأول بين متساوين”. وهذا الوضع يترك المجال واسعًا للعصيان والجفاء والبعد والانشقاق كما حصل مؤخّرًا بين كنيسة أوكرانيا البيزنطية الأرثوذكسية وكنيسة موسكو بتأييد من بطريرك القسطينطينيّة “المسكوني” الّذي ما أذعنت له موسكو ولا قبلت دعوته للمجمع الأرثوذكسي الكبير قبل بضع سنوات.

قال السيد المسيح:”من ثمارهم تعرفونهم”. ونقولها بكل محبة: الكنيسة الكاثوليكية واحدة، ذات رأس واحد، في هرميّة لا اختراق فيها منذ عشرين قرنًا من الزمان. في كنيسة الروم الأرثوذكس أربع عشرة بطريركية “مستقلة الرأس” إحداها عن الأخرى، لا سبيل إلى توحيدها تحت رأس واحد، وإن كان بطريرك القسطينطينية، بناء على تجاوز البطريرك يوحنا الرابع “الصّوّام”، يحمل لقب “البطريرك المسكونيّ” ولكن لا سلطة فعلية له على سائر البطريركيات.

 

هذه بعض نصوص ووثائق وشهادات من آباء الكنيسة القدامى عن أولويّة بطرس

نستعين هنا، هذه المرّة، بكتاب “المسيح والقديس بطرس والمفاتيح” للمؤلّفين سكوت باتلر ونورمان دالغرن وديفد هيس.

يضيق المقام هنا لإيراد كل النصوص بالتفصيل ولكن نشير على جناح السرعة إلى كتابات حول الحبر الأعظم الروماني من المؤرخ أوسابيوس القيصري وأبيفانيوس اسقف سلامينا في قبرص ومار إغناطيوس الإنطاكي والكلمة الفصل للبابا فكتور (189-198) في تحديد تاريخ عيد الفصح والقديس قبريانوس الأسقف…

 

خاتمة

لا تعني “عصمة البابا” عن الخطيئة بل عن الخطأ في التعليم العلني الرسمي باسم السيد المسيح والكتاب المقدس، وفقط في شؤون العقيدة والأخلاق المسيحية. ونادرا ما يلفظ بابا رومة مثل هذه الإعلانات. ويمكن أن يغلط البابا خصوصا في شؤون اجتماعية وإنسانية، مثلاً في قضية “اللاجئين” إذ يتوهم قداسته – وهو ابن مهاجرين إيطاليين إلى الأرجنتين- أنّ مسألة “استقبال المهاجرين في الغرب” مسألة محبة أخوية مسيحيّة، في حين أنّ الحكومات تنفّذ أجندات مبنيّة لا على المحبة ولا على التقوى بل على مصالح معظمها مدمّر للأوطان وللدول الوطنية ولشخصية الإنسان المعوز الذي تستغلّه وتبتزّه وهي تريد نظامًا عالميًّا جديدا يسهّل ترويج السلع على مستوى دولي بتحويل الأمم والدول ذات السيادة إلى شعوب مختلطة بلا أصل ولا جذور، تسهل السيطرة عليها وبيعها وشراؤها بأبخس الأسعار وتوليد الحروب الأهلية والدولية لبيع الأسلحة.

وفي مقالاتنا التي نجيب فيها على السيدة الأرثوذكسية سيكون مسك الختام الحديث عن السيدة العذراء مريم المباركة في النساء.

 

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.