جرن معمودية صغير للصّغار وشروط كثيرة للزّواج للكبار

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

يمكن بهذا العنوان تلخيص وضع الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطيّة الشقيقة في فلسطين والأردنّ، والأخذ والرّدّ في شأن أراض تسرّبت إلى العبرانيّين بما فيهم شديد المتديّنين الحاقدين على المسيحيّة وعلى كلّ ما ليس يهوديًّا. ويجب التّنويه هنا، إشارة إلى خطأ لا من الصّحيفة بل من الدّاعي عن وضع “بيت لحم وسائر أعمال فلسطين في القرن السّادس عشر” ولكن المقصود كان “القرن السّادس الميلادي”حيث لم يكن تم الانشقاق البغيض بين روما والقسطنطينية بحيث لا يجوز القول “في القرن السادس، في كنيسة المهد بيت لحم أكتُشف جرن معمودية صغير يدل على أن الكنيسة الأرثوذكسية هي الأصل”، وذلك لأن في القرن السادس، نعم السادس، لا انشقاق بل اتّحاد كامل بين روما والقسطنطينية في كنيسة واحدة جامعة رسولية مستقيمة الرأي. ونشهد بتأثر استمراريّة هذا الاتّحاد “بكنيسة الرومانيين جزيلة القداسة” مع البطريرك القديس الجليل صفرونيوس بعد قرن. ونتأثر مع مواطنينا المسلمين حول لقاء الخليفة والبطريرك وكلام المؤرخ “أوتيخيوس” في أريحيّة “كبير العرب أو الشّرقيين” وتسليم البطريرك إيّاه مفاتيح المدينة والقلوب!

 

شروط شبه “تعجيزيّة” لزواج الأرثوذكسيّ البيزنطيّ والبيزنطيّة الرّوميّة!

عبارة “الشّروط التّعجيزيّة” من مفردات وجيه فلسطيني صديق عزيز من منطقة بيت لحم. والموضوع، على ما يبدو، أنّ الرّئاسة الرّوحيّة للرّوم الأرثوذكس، في حرص وصحوة وغيرة على أبناء رعاياها وبناتها، أعلنت قوانين صارمة عن الزّواج لا يظهر أنها جديدة ولكن ما حثّها على ذلك ابتعاد خلق من الشّباب كثير عن الكنيسة وطقوسها (التي ترقى إلى القرن الرابع في أسية الصغرى ، ومن أقطابها البطريرك سرياني إنطاكي الأصل رئيس أساقفة القسطنطينية يوحنا فم الذهب). وبشكل عام هناك أزمة في الإيمان تعصف بالشّرق أيضًا. ويلحد آخرون- “وإنّ بعض الظّن” إثم”- إلى أنّ البطريركية لجأت إلى تلك الخطوة لتغطيّ بشكل من الأشكال مسألة الأراضي. والله وحده يعلم كلّ الحقيقة.

 

بعد قرون من الوجود البيزنطيّ الأرثوذكسيّ في العهد العثماني: مدارس للروم الأرثوذكس قليلة نسبيًّا!

جيّد، والحقّ يقال، وضع الشّروط على المتقدّمين للزّواج لأنه نبيل وصعب وليس مهزلة! وقال الكتاب: “ليكرمنّ الكلّ الزّواج، وليكن الفراش بلا دنس” أي بلا خيانة. ولكنّ هناك ظاهرة أليمة نذكرها بحزن وهي: مع أنّ المدارس الكنسيّة الأولى في فلسطين بدأت مع الرهبنات الكاثوليكية اللاتينية من فرنسيسكانية وسالزيانية وبطريركية اللاتين وسواها ، وعند الأرثوذكس مع روسيين ويونانيين، غير أنّ عدد المدارس الأرثوذكسية البيزنطية للروم الأرثوذكس قليل نسبيًّا، من ناحية عدد الروم، ومن ناحية زمن نشأة بطريركيتهم المقدسية مع قدوم الحكم العثماني، في القرن السادس عشر(لا السادس)، مع الأسقف اليوناني البيلوبونيزي جرمانوس.ويزيد عدم الوعي الديني وسطحيّته أنّ نفرًا من الأرثوذكش كثيرًا لا يعودون إلى الكنيسة التي حُملوا إليها أطفالاً للمعموديّة بعد أن نالوا “مقدّسات (بكسر الدال) التّنشئة المسيحيّة” بنفس الوقت من معموديّة وتثبيت وقربان أقدس. فيراهم معظم الكهنة، يوم خطوبتهم وقبل زواجهم بأسبوع أو بأيام معدودة. ويبدو أنّ عنصرًا مشوّقًا دخل في الشّروط الجديدة القديمة وهي أن يجلس الخطيبان مع الكاهن للاتّعاظ والاسترشاد والتداول والاعتراف. والقرار، بصراحة ربّنا، ناجع أكثر من اجتماع الكاهن الكاثوليكي العازب مع طالبي زواج، في حين أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة لا ترسم رجالاً متزوجين قسسا بخلاف الكاثوليكية الشّرقية من أقباط وروم وسريان وأقباط وكلدان وموارنة كاثوليك. وقد تسمح بذلك بعد مؤتمر أمازونيا في اكتوبر تشرين الأوّل المقبل. نعم، شئنا أم أبينا، لا يقدر العازب مهما كان فصيحًا وبليغًا، أن يفهم الزّواج مثل القسس المتزوّجين بفرق النّظريّة عن الواقع.

 

خاتمة

لا نريد أن نتفلسف ولا أن نتفذلك ولا أن نتحذلق (أكثر ممّا فعلنا، ومنك العذر!) ولا أن ندين أحدًا، وذلك بناء على القول السيّدي:” لا تَدينوا لئلاّ تُدانوا” (بالمجهول، حسب متّى 7: 1). ولكن إذا جاز لنا أن نقرّ بالواقع قلنا شيئًا يعرفه القاصي والداني: أكثر أعضاء الإكليروس الأرثوذكسي الرومي المتعمّق في الإنجيل وآباء الكنيسة هم يونانيّون وهم أوفر الكهنة علمًا إذ تساعدهم اليونانية لغة الإنجيل ولغتهم الأمّ وإذ من المخطط أن يصبحوا بطاركة وأساقفة (بخلاف الكهنة المتزوجين)، ولكن الكهنة اليونانيين بشكل عام لا يختلطون كثيرا بالشعب. ويسرّنا أن نشير بفخر إلى جريدة “القدس” من جهة ونيافة مطران بيت لحم ثيوفيلاكتوس (ومعنى اسمه “المحروس لدى الله”) إذ يكتب سيادته أسبوعيًّا موعظة ثمينة عن إنجيل الأحد تنشرها له صحيفة “القدس” الغرّاء برحابة صدر وسعة آفاق.

رأى بولس الرسول في المحبة والوفاء الزوجيين صورة عن محبة الله للكنيسة! أعاننا الله كلّنا على تكريم الزّواج وحفظ الإيمان والرّجاء والمحبّة “هذه الثلاث وأعظمهنّ المحبة”، والزّواج”سرّ المحبة” (أفسس 5 : 21 وتابع).

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.