الأحد الثالث عشر للسنة ج

من نتبع؟

(1 (3) ملوك 19: 16-21، غلاطية 5: 1 و 13-18، لوقا 9: 51-62)

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

يلهم الله إيليا أن يتتلمذ إليشاع على يده وهكذا يتبع أليشاع إيليا . وفي الإنجيل الطاهر يعطي يسوع الشروط لاتّباعه من غير أن يُغفل مرّة واحدة دور الحريّة لدى الإنسان المرشّح لاتباع الرب. وترك يسوع الحرية لنا (“إذا أراد أحد أن يتبعني … إن شئتَ أن تكون كاملاً”) دليل ولا أقوى لصدق دعوته وثبوتيها إذ لا تخشى “مخاطرة” الرفض ولا تعد ولا تتوعّد، لا تُرهب ولا تُرغّب : فجاذبيتها في مضمونها وفي قساوتها أي حمل الصليب. هذا هو المغناطيس الذي لا يمكن أن يأتي إلاّ من عل (عن يوحنا 12 : 32).

 

من تتبع يا صاح ؟

قبل الرد على هذا السؤال الخطير المصيريّ، يجب الإيضاح أنّ كل ما سيرد هنا سيأتي من باب المحبة للحق والمحبة للناس التي لا يحررها إلاّ الحقّ، كما قال الرب يسوع. مع الأسف الشّديد، ولعقود طويلة ، أغفلنا تدريس تاريخ الكنيسة مع التعليم المسيحيّ. لذا، صار سهلاً على المبدعين والمحدثين “المسيحيين” أن يوهموا البشر من أتباعهم أنهم إنّما يتبعون المسيح والكتاب المقدس. وانطلت الخدعة على ملايين من البشر الذين وقعوا في حبائل “فذلكات الناس” (عن قولسي 9 : 1) بعيدًا عن “بساطة المسيح”. ومن الأدلّة على ابتعادهم عن “حقيقة المسيح” ومنطق الإنجيل عدم إكرامهم للسيدة العذراء وتكهربهم من اسمها، منها السلام. فكيف يمكن منطقيًّا الاعتراف بالسيد المسيح ربًّا ومخلّصًا وتجاهل والدة الرب أمّه الممتلئة نعمة المباركة في النساء التي مفروض أن “تطوّبها جميع الأجيال”؟

كان بالإمكان تجنّب كل تضليل الانقسامات والبدع، عن طريق إطلاع القوم على أصل تلك الحركات وتاريخ مؤسسيها وسِيَر حياتهم التي غالبًا ما لم تكن مثاليّة. ولنأخذنّ على سبيل المثال لا الحصر فئة “شهود يهوه” التي تنسب نفسها إلى هابيل البار(هابيل ، ما غيره، شقيق قائين القاتل)، مع أن مؤسسها الحقيقي هو الأمريكي الإسكوتلندي تشارلز تاز راسل (1852-1916) الذي كان يخون زوجته ماري فرانسس أكلي مع كل من روز باول وإميلي ماثيوز. أمّا “السبتيون” فإن اسمهم يدلّ على السبت لتعييدهم في يوم الراحة اليهودي هذا، ولكن مؤسسهم الحقيقي كان ثوماس ميلر المعمداني الذي أخفقت نبوته عن نهاية العالم سنة 1844 فالتقطت الحركة السيدة هيلين وايت هرمون وأنقذتها في اللحظة الأخيرة. ونادرًا ما تحمل المجموعات بنزاهة أسم مؤسسها أو بادئها مثل “اللوثريين” أو “الزوينغليين” أو “المانونايت” (وكلهم كانوا كهنة كاثوليكيين في القرن السادس عشر) بل تعوّدت أن تنسب نفسها إمّا إلى “المعمودية” أو “الإنجيل” أو تصف نفسها بأنها “كنيسة الله” أو “الملكوت”. ويكفي اكتشاف تاريخها الحقيقي للتأكد بلا شكّ أنها حديثة محدثة لا علاقة لها لا بالمسيح ولا بالرسل، وإن كان مؤسسوها أحيانًا ذوي نيات سليمة منها “إصلاح” الكنيسة إداريا فانتهى بهم الأمر بالتمرد عليها والانجراف وراء أخطاء عقائدية لا عدّ لها وتفتت لا يقع تحت حصر.

وفي الغزو الأمريكي البريطاني للعراق شهد المرء بأمّ العين الحرب ليس فقط على الشعب العراقي بل على الكنيسة الرسولية العريقة ولا سيما الآرامية ومحاولة استبدالها بمجموعات أمريكية حديثة قُذف بكتبها وكراريسها من الدبابات .

 

خدعة الاختباء وراء الكتاب المقدس واللجوء إلى التاريخ عندما يعتقدون أنه يخدمهم

وهنا تقوم تلك الجماعات، عن حسن نية أو بخلاف ذلك، بالاختباء وراء الكتاب المقدس بحيث لا تقول لك أن هذا موقفها بل أن هذا موقف الكتاب المقدس، فتعطي تفسيراتها كأنها مواقف من الكتاب. وكان إبليس قد تخفى خلف آيات من سفر تثنية الاشتراع ولم يقل بالحرف الواحد ليسوع: “أنا أريد أن ترمي بنفسك إلى أسفل” بل “الكتاب المقدس – في مزمور 91 (90) – يطلب منك أن ترمي بنفسك إلى اسفل لأنه مكتوب انه يوصي ملائكته بك… وعلى أيديهم يحملونك…”

وعندما تلفت أنظارهم إلى اصلهم ومؤسسيهم يهربون إلى الكتاب المقدس ويهربون من التاريخ. ولكنهم لا يترددون في أن يستشهدوا بالتاريخ لينتقدوا الأخطاء البشرية في الكنيسة الكاثوليكية. وطريف انتقادهم للحروب الصليبيّة في قرون لم يكونوا موجودين فيها أصلاً. ولعل جواب العقل السليم : الكنيسة أخطأت إداريا ولكنها كانت موجودة، أمّا أنتم يا إخوتنا فلم تكونوا موجودين على الإطلاق. وتم انحراف كبير هو مخالفة فظيعة للإنصاف بحيث صار مسموحًا بنقد انحرافات بعض البابوات وممنوعا منعًا باتًّا (ربما حتى اليوم) انتقاد مارتن لوثير أو سواه. فأصبح البشر يتداولون العمل بمقياسين ومكيالين لا عدالة فيهما ولا مساواة.

 

“اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم!”

من شروط اتّباع السيد المسيح عدم النظر إلى الوراء وعدم الانهماك في أمور الدنيا بشكل ينسي الآخرة. أمّا “الموتى” المطلوب أن يدفنوا “موتاهم” فهم موتى الأرواح الذين عليهم دفن موتى الأجساد، كما قال الشاعر العربي:

” ليس من مات واستراح بميت     إنّما الميت ميّت الأحياء”

 

خاتمة

أيها الرب يسوع، لنا الشرف وعلينا النعمة أن نتبعك في حضن الكنيسة المقدسة الرسولية عروسك وهي “بيت الله الحيّ” فأعطنا أن نحيا لك وبك وأن نحمل وراءك صليبك صليبنا “خارج المحلّة” إذ “ليست لنا هنا مدينة باقية” فلنحملنّ “عارك” ونحن نشترك “في آلامك” لعلّنا “نبلغ قيامة الأموات”، لعلّنا “ندرك الغاية بعد أن أدركتنا أنت”!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.