ودمع لا يُكفكف، بيتَ قُدسِ

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

يستأذن المرء أمير الشّعراء الرّاحل أحمد شوقي الّذي كتب “يا دمشقُ”. ولا ينسى المرء زهرة المدائن ويحمل كلّ المدن الباقية الشّهيدة والقرى في كل مقالة، وإن لم يذكرها. أمّا يبوس- أوروسالم- إيلياء- بيت المقدس- القدس- فالمصيبة فيها مصيبتان والنكبة نكبتان والحرب الأهلية حربان (في الماضي) وانتهاك حرمة المقدسات انتهاكان والاتّجار بالمعبد تجارتان، لأنّها “مدينة الملك المتعال” تكرمها أديان ثلاث وشعوب كثيرة (أشعيا 2، أعمال الرسل 1: 7 وتابع).”لأجلكِ يا مدينة الصلاة أصلّي”، وفي القدس “بيت الله بيت صلاة يدعى لجميع الأمم”، “والصلاة لا تُباع ولا تُشترى” مبدئيًّا. ولكن بالفعل هنالك “تجّار الهيكل” وحاملو السيف والتّرس بذريعة المعبد.

 

مؤمنو القدس “قدّيسون”!

هنالك بين “المسيحيّين” من يتشنّج عندما يسمع الكنيسة تقول: “القدّيس الفلانيّ أو الفلانيّ” أو “قداسة البابا” أو “قداسة البطريرك”. يبدو أنّ القوم الذين يتشدّق منهم خلق كثير أنّه “يعرف الكتب المقدسة منذ نعومة أظفاره” “أفضل من كهنتكم التقليديين”- يبدو جليًّا أنهم لا يعرفون كلمات العزّة الإلهيّة في سفر الأحبار أو اللاويين: “كونوا قدّيسين كما أنا الرب إلهكم قدّوس” (19: 18). أمّا القدّيس بولس فكان يدعو مؤمني القدس “القدّيسين” (2 قورنثوس 9: 1 وتابع). وفي بداية الرسالة الأولى إلى القورنثيّين يصف الإناء المختار بولس مسيحيّي الكنيسة المعمّدين بأنهم في نفس الوقت “قدّيسون” و “مدعوّون إلى القداسة” بمعنى أنّ الله قدّسهم بالفداء وبالميلاد الجديد من عل، من الماء والروح، بالمعمودية، وأنه تعالى يدعوهم للتجاوب مع هذه النعمة ويقدّسوا أنفسهم.

 

الحساسيّة التي تنفر من القدّيسين!

تعوّدنا عند الخارجين عن الكنيسة انتقائيتهم في شأن النصوص المقدسة إذ يتجاهلون أو يغفلون عن الآيات التي لا تناسب تعليمهم (بدل اتّباع الكتاب كما يقولون أنهم يفعلون!) ويتميّزون بنوع من التفكير غير السّويّ (خصوصًا في شأن السيدة البتول مريم، منها السلام) ويعادون القدّيسين كأن هؤلاء “ينافسون المسيح” مع أنّ لا مقابلة أو كأنهم يختلسون من قيمته شيئًا. وهذا الموقف السّلبيّ مناقض للكتاب المقدس مناقضة الليل للنهار والتطرّف للعقل السليم والذوق القويم. نقول هذا بحزن من جهة، وباحترام لهم كبشر وكمؤمنين قد تكون عندهم “غيرة ولكن بلا معرفة” (رومية 10: 2) ولعلّهم أيضًا من النسل المعنويّ للعبرانيّين الذين ندبهم رسول الأمم بولس في هذا المقطع إلى الرومانيّين. وفي هذه الفترة تجنّبنا الكتابة عن عيد القديسَين الرسولَين الشهيدين بطرس وبولس لئلا يتّهمنا أحد “بالإفراط” وبعبادة القدّيسين-حاشى – “على حساب المسيح”، كأنّ لدى القدّيسين، والعياذ بالله، “حوانيت لوحدهم”!

في العهد القديم القدّيسون”أصفياء، أولياء”، في العبريّة “حاسيديم” أي موضع محبّة من الله ملؤها الحنان والرحمة والتضامن وهم بدورهم من “محبّي الله” (هذا معنى الاسم اليوناني “ثيوفيلوس” أو “فيلوثاوس”). وينشد صاحب المزامير: “غالية في نظر المولى ميتة من كانوا لودّه مخلصين أي أصفيائه”. وفي المزمور السادس عشر:”لن تدع، يا رب، قديسك أو صفيّك يرى فسادًا”. ويكتب سفر الحكمة والقديس بولس أنّ “القدّيسين سيحاكمون العالم والأمم”. وتسمّيهم الرسالة إلى العبرانيين “أوروشلم السماوية”. ومعهم نحن الأحياء في وحدة حال، لا مع أجسادهم “التي دُفنت بالسلام” بل “مع أرواحهم وهم الصدّيقون الّذين بلّغهم الله الكمال”بحيث أنهم “سحابة من الشهود” يراقبوننا ويسهرون علينا. هم أيضًا “صدّيقون” بمعنى أنهم أهل العدل الذي يعطي “كلّ حقّ حقّه” بداية بالذات الإلهية ثم النفس ثم القريب والبعيد. والقديس يوسف خطّيب السيدة العذراء والمربّي للطفل يسوع يصفه الإنجيل الطاهر بأنه كان “صدّيقًا” أي قدّيسًا. ولا عذر لمن لا يكرمه إذ أكرمه السيد المسيح الفتى وأطاعه كما أطاع الأم البتول مريم (لوقا 2: 51 وتابع).

 

خاتمة

نكتفي بهذا القدر انطلاقًا من القول المأثور:”خير الكلام ما قلّ ودلّ” والمثل اللاتينيّ “للإنسان الذكيّ (وصاحب حسن النيّة) يكفي القليل”، إذ أنّ “اللبيب من الإشارة يفهم.” ويتجاوب العقل مع الذكاء وتكلّل النية السليمة التفكير الصائب بأعمال البِرّ والتقوى والمحبّة “ليكون رجًل الله كاملاً، مُعَدًّا لكل عمل صالح”.

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.