من “واد الحمّص” إلى وادي البكاء والفناء

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

تصعقنا الأخبار وتصدّق عيوننا ما يبدو محالاً في عالم متحضّر حيث العمران والتقدّم والتّضامن الإنسانيّ. هدم بيوت بشر عزّل بذريعة أنها قريبة من جدار فصل. لا مكان للعدل ولا للحقّ ولا للمنطق فالجرّافة هي الحجّة والاحتلال هو الدّافع “وحجّة الأقوى هي الفضلى”. ولا حيّز لمشاعر الناس المقصود تهجيرهم ولا قيمة لتعب أعمارهم وآمال أولادهم! لبيوتهم لا قيمة ولا لممتلكاتهم، كأنهم حجارة!

تُوصف بعض المواقف بأنّ فيها “غريمك القاضي”. وهنا، حامل لواء “القانون” القاضي بتدمير منزلك هو نفسه المحتلّ الّذي لا حقّ له في الأرض التي يستولي عليها ويطردك منها. وأحيانًا يجبرك، “ليرشّ على الموت سُكّر”، أن تهدم بيدك بيتك. ولا تحاولنّ، مثل الشّابّة كيري، أن تقاوم الجرّافات بجسدك لأنها ستطحنه بلا تأنيب ضمير! وهكذا فُجّرت خمسة عشر بناية فيها 116شقّة في “واد الحمّص” وهو حيّ من صور باهر بقرب القدس.

 

أين مزايا “شعب الله”؟

نخاطب القارىء الكريم الذي هو مواطن الضحايا. ونتوجّه بالسّؤال أيضًا إلى “الإنجيليّين، تابعي الكتاب المقدّس” المتجاهلين للوصايا العشر:” لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزّور”، فالممنوع على عامّة بني آدم مسموح به عندهم لـ “شعب مختار، له أرض الميعاد، ويحقّ له الدفاع عن النفس بكلّ طريقة”، خصوصا عندما لا تُوجد حاجة لمثل هذا الدفاع المزعوم أمام شعب مقهور أعزل. نقرأ في المزامير( 84(83): 7) عن الحجّاج الموحّدين وهم في طريقهم إلى المدينة المقدّسة: “يمرّون بوادي البكاء (ولعلّه “وادي الميس” المعروف بالجفاف) ويفجّرونه عيونًا، وتغمره باكورة الأمطار مباركًا ميمونًا”. “وانقلبت الآية” ولعلّها اليوم: “يمرّون بواد الحمّص فيفجّرونه، ويفجّرونه لا عيونًا بل أطلالا، يفجّرونه قبورًا، وتغمره باكورة القنابل دمارًا!”

 

من المنزل إلى الخيمة!

أعلن أحد المنكوبين من واد الحمّص السيّد عبيديّة أنه سينصب فوق ركام بيته خيمة، وليس الوحيد الذي سيفعل. فها هو بعد كدّ العمر كلّه صفر اليدين لا مبيت له إذ ليس له بيت ولا منزل له ولا منزلة! عاد إلى خيمة اللجوء والبداوة لأنّ قوى الاحتلال قرّرت الدّمار لبيته إذ لا “أمان” لكيان عبريّ ولا “أمن” إلاّ بتدمير منزل هذا المسكين وأمثاله التي كانت “تهزّ أركان الجدار”. والجدار والمستوطنة غير قانونيين دوليًّا. الآن يستطيع “العسكر الذين يملكون دولة” (يشعياهو ليبوفيتس) أن يناموا اللّيل الطّويل فقد زال عن جدرانهم خطر “العرب المعتدين” أو الذين “يفكّرون في الاعتداء”.

وما سمع العالم من الولايات المتحدة اعتراضا على الهدم ولا نقدًا. فقد أعلن الأمريكي اليهودي جرينبلات ليس فقط أنّ القانون الدولي لا يسري على البنت المدلّلة نسيبة الرئيس (لم يقل هذا مباشرة ولكن هذا هو المضمون) بل أنّ “الإجماع الدّولي لا يجلب حلاًّ للمشكلة الفلسطينيّة الإسرائيلية”، وبالكد يعترف القوم بأنّ هنالك مشكلة أصلاً وظنّوا أنّ حلّها بالدّراهم والدولارات. وأثبت الشعب الفلسطينيّ أنّه لا يُباع ولا يُشترى وليس رخيصًا ولا خائنًا.

 

خاتمة: البومرانغ و”خربان البيت”!

بطريقة أو بأخرى يعود ما ترميه إليك (بومرانغ). وفي العبريّة، كما كتبنا مرّة، “خوربان بيت” يعني “دمار الهيكل”. وهنا سؤال نظريّ بعد أن قرأنا في التوراة أنّ الله قال لأحد الملوك: “لن تقيم أنت لي بيتًا (أي هيكلاً) لأنك سفكت الدماء”: أسيبني لله هيكلاً من يسيل دماء البشر ويهدم بيوت الحجر؟

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.