أبونا إبراهيم الخليل في أيّامنا

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

عيد الأضحى المبارك مناسبة لتفاهم أفضل وتعايش أكمل بيننا كمواطنين، مسلمين ومسيحيّين، ونحن نحيي ذكرى أبي المؤمنين، وهي ذكرى غفلت عنها اليهوديّة وتذكّرها الإسلام في هذا العيد وكنيسة القدس اللاّتينية في تذكار “أبي الآباء”يوم الأوّل من تشرين الأول سبتمبر كل سنة.

وفيما تتفق ديانتانا على أنّ ابراهيم أنجب إسماعيل وأسحق وأنّه أبو الإيمان ومثال الطاعة له تعالى حتى القبول بذبح ابنه، غير أنّ عدم تطابق لا تناقض فيه بين النص التوراتي والقرآني. يسرد سفر التكوين أنّ الابن المطلوب تضحيته هو اسحق، في حين أن النص القرآني لا يذكر اسم الذبيح الموصى ذبحه. لذا، بكل وضوح، لا تناقض بين النصوص التي نقدّسها. وتأـي التفسيرات لترجح اسماعيل في العالم الإسلامي.

 

ما هو أرفع شأنًا من هويّة “الذّبيح” المطلوب

العبرة والدرس والمغزى الكبير والسامي والعظيم، بصرف النظر عن هويّة الذّبيح الذي هو على كل حال نجل لإبراهيم الخليل عليه حبيب، هو الطاعة البطوليّة التي تألّق بها أبو المؤمنين الذي “آمن بالله وحُسب له ذلك صلاحًا” والذي ضحّى وكان مستعدًّا أن يضحّي بأغلى من هو غال وأثمن من هو ثمين أي فلذة كبده بعد طول انتظار لميلاده المعجز! وكان إبراهيم وزوجته على استعداد لكل عطاء وجهد ودعاء وبكاء لكي يُرزقا طفلاً وتقدّمت بهما الأيّام بحيث أمسى إنجاب طفل في تلك السّنّ ضربًا من الخيال. وها هو الله نفسه، الإله الوحيد الحقيقيّ، مصدر الحياة والصّلاح، المعبود الوحيد الجدير بالثّقة أي الإيمان والذي تعالى يستأهل الطّاعة مهما صعب طلبه وشقّت وصيّته وقست- على ما يبدو- مشيئته ها هو تعالى يطلب من إبراهيم ذبح ابنه المحبوب!

 

تضحياتنا الكثيرة المفروضة علينا غير الإراديّة

يخطر على البال هذا الموضوع ونحن نرى شعبنا الفلسطينيّ وسائر شعوبنا العربيّة ولا سيّما في العراق وسورية واليمن وليبيا وسواها تحت سكّين الذابح وهي مكرهة! وأحيانًا يأتي الذّابح من صُلب هذه الديار! نعم، لم نقم نحن بالبحث عن قاتلنا ولا دعونا مدمري منازلنا ولا المنزلين الضرر والجراح والأمراض في شبيبتنا ولا مقحميهم في غياهب السجون. التّضحية هي سابقة لكلّ هذه الأحداث: التضحية هي في تأكيد هويتنا وبنائها، التضحية هي عدم الهروب من هذه البلاد وعدم التنكر لهذا التراث والتاريخ والمصير الفلسطيني والعربيّ وعدم بيعها، التضحية هي في رفض المغريات والعمالة والخيانة. التضحية هي في عدم بيع دم الشهداء وعرق الأسرى ودموعهم. التضحيةفي الاستمرار في الولاء لوطن سليب وشعب بل شعوب مظلومة ونحن ملتزمون بالثّوابت مطالبون بحقوقنا التي تؤيّدها الشرعيّة الدّولية مع تحديات أمريكا لها بالتنسيق الجائر أحادي الجانب مع الكيان العبريّ. التضحية هي الاستمرار في تصحيح المفاهيم ومتابعة بناء منازل مدمّرة وزرع أراض محروقة وأشجار زيتون جديدة بدل التي اقتلعها المستوطنون وقدر الإمكان تشييد مدن وقرى بادت ودُرست أي تمّ محو ملامحها. فليس العربي المتألم “مكرهًا لا بطلاً” بل هو في الأصل مواطن مستعدّ للبطولة والشهادة وأتى الاستعمار الاحتلال والاستيطان المتواصلان والحروب الخارجية والأهليّة تمتحنه. ومثاله إبراهيم الخليل الذي أرادت العزة الإلهية امتحانه أو ابتلاءه أو اختباره: “قم، خذ ابنك وحيدك الذي تحبّه… وقدّمه لي محرقة على جبل مورية”.

 

خاتمة

نجح إبراهيم الخليل في الاختبار ولم يسمح الله بتضحية ابنه. وهكذا نرجو نحن، أحيانًا على غير رجاء، نأمل الخلاص والنجاة من رضى الله وحنانه تعالى، إذ، نحن أيضًا، حسبنا الله “ونعم الوكيل”!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.