أدر الخدّ الآخر

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

نصّ من الإنجيل المقدّس (متّى 5: 39) يساء فهمه ويجلب سوء الفهم تصرفات غير سويّة، سواء في “انهزامية” بعض المسيحيين أو في استغلال آخرين لحلم أهل اللطف وكظمهم للغيظ. ولا ينسينّ المرء أنّ الدفاع عن النفس حقّ مشروع على مستوى الأفراد والجماعات والأمم، وإن كان الواقع ينكره لكثيرين منهم فيبقون جدرانًا لا قائمة بل منخفضة.

 

“لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدّك الأيمن…”

يتّضح من السياق أنّ المطلوب عدم الرد على العنف بالعنف ، وخصوصًا لأن “اللطمة” إهانة أكثر منها تعدِّ. فالمسألة ليست مسألة ضربة بل إهانة للكرامة من طبيعتها الاستفزاز والدعوة إلى العنف من الطرف الآخر. طبعا، مطلوبة مقاومة الشر والشرير، وحماية النفس والأسرة والوطن من كل مكروه. وقد أمر السيد المسيح بمبدأ الدفاع عن النفس: “والآن من لم يكن عنده سيف فليبع رداءه ويشتر سيفا” (لوقا 22: 36). ويرفض يسوع فكرة التعدي والاحتلال والتجاوز والاعتداء معلنا لبطرس في بستان الزيتون: “أغمد سيفك، لأن من يأخذ بالسيف، بالسيف أيضًا يهلك” (متّى 26: 52). فالمبدأ واضح: السيف للدفاع لا للهجوم.

 

لماذا “خدّك الأيمن ؟”

يستخدم معظم الناس اليد اليمنى، على ما يبدو. وبشكل اعتيادي، عندما يلطم أحدهم آخر تأتي اللطمة على الخدّ الأيسر لا الأيمن. أضاف يسوع “الأيمن” ليبيّن أنّ اللطمة أتت غدرًا أي من الخلف أو مواجهة ولكن من طرف اليد، وهي أيضًا إهانة. وقصد يسوع لا أن يكون المسيحي نذلاً بل ان يتحدّى المعتدي المهين بالحلم ويغلبه بسيف اللطف والحلم ويخجله ويحرجه لعدم النزول إلى مستواه، بما أن العنف ضعف. وبالفعل، يسوع نفسه، لم يدر الخد الآخر عندما لطمه خادم رئيس الكهنة. بل ناقشه وأفحمه. وبالنتيجة النهائية ما ردّ يسوع على العنف بالعنف بل أفحم صاحبه وأوقف دائرة العنف التي يصعب إيقافها.

 

في بيئة يسوع التاريخيّة

ليكمل تفسيرنا للنصوص المقدسة يجب أن نعود أيضًا إلى فترتها وزمنها. كانت فلسطين تحت الاحتلال الروماني –وما أشِبه اليوم بالأمس- في عهد السيد المسيح. ومعروفة قساوة بنطيوس بيلاطوس الذي كان يقمع أصغر مقاومة ببطش وفتك بلا قياس،بحيث خلط دماء جليليين بدماء ذبائحهم. وفي النهاية بلغت الكرسي الإمبراطوري عليه شكاوى كثيرة جعلت القيصر يعزله سنة 36 م.

تحت الاحتلال، في سكرة الغطرسة العسكرية، قام جنود رومانيون باعتقال شباب عبرانيين وزجهم في السجن لأسابيع من غير تهمة ولا محاكمة. ملّ الشّبّان هذا الوضع المزري من “الاعتقال الإداري” وقرروا يومًا أن يقوموا بتحدي الجنود واستفزازهم. وعندما حضر هؤلاء لنوبة الحراسة، كشف الشبان عن أعناقهم وقدموها عارية للجنود كي يضربوها بالسيوف وقالوا لهم: “الموت النبيل أشرف لنا من هذا الاعتقال السخيف غير المعقول”. فخجل الجنود واستشاروا ضابطهم وشعروا بالإحراج أن روما العظمى متّهمة بالسخافة والظّلم، فأطلقوا المساجين.

 

خاتمة: الغضب جنون مؤقت!

ردّ الفعل العنيف هو أيضًا ضعف. والحوار وحتى تحدّي المعتدي حكمة وكرامة لا ذل ولا هوان. وكان السيد المسيح قد قال: “سمعتم انه قيل: لا تقتل…، أمّا أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء” (متّى 5: 21- 22).

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.