بين اختراع الماضي وكابوس الحاضر

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

بمناسبة رأس السنة الهجرية الجديدة، تتقدّم من القرّاء الكرام وسائر العالم العربي والاسلامي بأحرّ التهاني لعام يغمره السلام والعدل والانتصار على الحروب والفتن. وكلّ عام وأنتم بخير !

             

مقال للدكتور وليد أنطون الشّوملي عن “اختراع الشعب اليهودي في فلسطين”

أبهجت صحيفة “القدس” الغرّاء قرّاءها وأثرتهم بمقال مفيد مشوّق غنيّ للدكتور الصّديق وليد أنطون الشّوملي، يوم 28 من آب الماضي، ص 11، تحت عنوان:” شلومو سانْد واختراع الشّعب اليهودي” والقصد تبيان الربط الأسطوري بين اليهود وفلسطين خصوصًا بعد سنة 70 ميلاديّة. ويسرّ المرء أن يشيد بالإلمام العالي والدّقّة في نقل الدّكتور الشّوملي لاكتشافات “ساند” (وتعني الكلمة بالألمانية “رمل” وكذلك في الإنجليزية)، وإثبات أنّ ما يؤكّده “ساند” ليس مبنيًّا على الرّمال!

 

لا “ترانسفير” رومانيًّا بل “شتات يهوديّ من دخلاء” أعاجم خاج فلسطين!

لم تكن عند الرومان، سنة 70 م، طائرات ضخمة ل”نقل” العبرانيين ولا سفن كبيرة تجلوهم عن هذه الأرض الطّهور. وكانت للرومان مصلحة أن يبقى اليهود في البلاد، أذلاّء في أرض “كان الرومان بحاجة إلى من يحرثها وإلى بشر يدفعون فيها الضّرائب” (من مقال د. الشوملي).

وتحوّل يهود كثيرون من الأرض المقدّسة إلى مسيحيين وبعدها بقرون إلى مسلمين. وما كانت هذه المعلومة تخفى سنة 1929 وفي اللاحق على ييتسحاق بن تسفي ودافيد بن غوريون (أصلاً “ديفد غرين”). وكتب “ساند” أنّ الشّتات تكوّن، وهذا ليس معروفًا، من أمميّين اعتنقوا اليهوديّة بسبب الهوس اليهودي في “التّبشير” أو “الاقتناص”. وكان السيّد المسيح نفسه قد بيّن هذه النّزعة اليهوديّة (التي تُبدي المظاهر أنّها زالت في أيّامنا!): “الويل لكم، أيها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون، فإنّكم تجوبون البحر والبرّ لتكسبوا دخيلاً واحدًا، فإذا أصبح دخيلاً (أي إذا اعتنق اليهوديّة)، جعلتموه يمسي ابنًا لجهنّم ضعف ما أنتم عليه” (متّى 23: 15). وفعلاً، اكتسبت اليهوديّة دخلاء بين الثّورتين المكابيّة وتمرُّد بار كوخبا في القرن الثاني الميلاديّ. واعتنق اليهوديّة خلق كثير من “إفريقيا الشماليّة وجنوب أوروبا والشرق الأوسط” (ساند). وأشار المؤرخ إلى أضخم اعتناق لليهودية في القرن الميلادي الثّامن عند قبائل “الخزر” باتجاه بحر قزوين. وهم أصل “الأشكناز”.

 

“تاريخ وطني قوميّ” إلى أن فجّر علم الآثار مسلّمات مبنيّة على الرمال!

أوهم “المؤرّخون” الصّهاينة قومهم أنّ كيانهم في فلسطين تاريخ طويل وطنيّ فيه الملاحم الكبرى. وتألّق في هذا المجال، في منتصف القرن التّاسع عشر، هاينريتش “جريتس”. ولكن سنة 1980 أتت هزّة أرضيّة معنويّة في الاكتشافات الأثريّة: لا خروج في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، لا تدمير لمدينة أريحا، انعدام آثار مملكة داود العظيمة بل فقط عبارة “بيت داود” على إحدى النّقود… والآن يريد الإسرائيليّون “إثنوقراطيّة” أي “دولة يهوديّة” مبنيّة على العِرق والجنس مع أنّ دراسات الحامض النووي (ولعلّ من روّادها عيران الحايك وهو إسرائيلي أمريكي) تقول أن لا يوجد أكثر من 3 بالمئة من “الإسرائيليين العبرانيين” الذين هم فعلاً وعِرقًا يهود! وطبعًا هنالك فلسطينيون يحملون الجواز الإسرائيلي (20 بالمئة) وليسوا يهودًا! ويأمل “ساند” منهم خيرًا.

 

ونحن الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة سنة 1967؟

أكتفي بمناهجنا الدّراسيّة القديمة والحديثة. كانت هنالك جهود جبّارة لتحديث المناهج، والحقّ يقال. ولكن ما يستمرّ فيها هو ظاهرة ثنائيّة أشير إليها بين أمور أخرى. ومن دواعي الفخر – مع أنّ لا شكر ولا إكبار على واجب – أنّ البطريركية اللاتينيّة كانت الحصن الحصين وما زالت في متابعة المناهج الدراسيّة خصوصا في التاريخ والتربية الوطنيّة لتصحيح الأخطاء وزيادة ما أُغفل عنه. ويذكر المرء على سبيل المثال لا الحصر، منذ الخمسينات من القرن الماضي إلى اليوم، المنسنيور أنطون الفرغاني النائب البطريركي في الناصرة- فلسطين- والبطريرك المرحوم يعقوب بلترتي والمطران نعمة السمعان في الأردن والمطران الراحل حنا كلداني والآباء جورج سابا ونزيه الحايك والبرت روك وجبرائيل برير والأب فيصل حجازين والآنسة أشخين دمرجيان. وفي الأردن قدس الأب الإعلاميّ الألمعيّ رفعت بدر.

ولا يفوتني أن أِشيد بشكل خصوصيّ وبجزيل الشكر والإكبار بسيادة المطران بييرباتيستا بيتسابالا المدبّر الرسولي للبطريركية. مع أنه غير عربيّ بل إيطاليّ ومع انه لا يعرف العربيّة إلاّ أنّه، منذ كان حارسا للأرض المقدسة، كان دومًا يهتمّ بتاريخ فلسطين والكنيسة فيها وفي العالم. ويريد قريبًا تنظيم مؤتمر حول موضوع تاريخ فلسطين، وطنًا وكنيسة، في المناهج الدراسية يقابله مؤتمر آخر في الأردن الشقيق.

 

الظّاهرة الثّنائية التي يجب معالجتها

بيّن د. وليد الشوملي أنّ “إسلام الباكستاني لا يوليه الحقّ على حكم السعوديّة ولا كثلكة الإرلندي أن يسيطر على الفاتيكان أي أن الدّين (وحده) لا يعطي حقًّا سياسيًّا وطنيا قوميا إقليميا عسكريًّا”.

ومع الأسف، أحيانا بذريعة الدين، يتمّ في مناهجنا تجميل للماضي والتعبير عن أحلام غير واقعية للمستقبل. فيطير فكر الطالب الفلسطيني إلى أندلس العصور الذهبية ويحلم بسيادة فلسطينية (!) على الشرق مثل القرن السابع الميلادي.

 

خاتمة: يهود أكثر من اليهود!

ما قصّر شلومو ساند وتكبّد المشقّات وتلقّى التّهديدات. من جهة أخرى نعلم أنّ هنالك من “الأمميّين الجوييم” من هم في القلب يهود أكثر من اليهود، حتى بين الدول العظمى. ما لزم هؤلاء حامض نووي ولا شجرة عائلة يهودية ولا اعتناق اليهودية دينًا! فيتمّ فيهم لا “الأصل” ولا “الفصل” بل “ما قد حصل” أي اعتناق للصهيونية قلبًا وقالبًا والانتماء الجنوني والتضحية بالكلّ حتّى الهجرة والموت من أجل “إسرائيل”. وأختم بملحوظة نقد ذاتي، لعلّها تكون حافزًا لنا: في التزام بعضهم ما يخجل بعضنا!

 

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.