الأحد الثّالث والعشرون للسّنة ج

العبوديّة والكراهيّة

(حكمة 9: 13-18، فيلمون 9-17، لوقا 14: 25-33)

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

خواطر في سِفر الحكمة

قرّر الربابينيون اليهود سنة 90 للحساب الميلاديّ في بلدة “يبنيه” غرب القدس أن يتخلّوا عن كتب مقدّسة يهوديّة بذريعة أنها لم تكن مكتوبة في “لسان القداسة” أي العبريّ. وكشف علم الآثار لاحقًا، بين كنيس القاهرة القديم وقمران ومسعدة وسواها، وجود أقسام من يشوع بن سيراخ والمكابيين وباروخ في العبرية والآراميّة. ولكن السّبب الحقيقيّ لرفض تلك الكتب كان النكاية بالمسيحيين أو “المينيم” (حرفيًّا “الاشكال”!) الذين تبعوا التقليد اليهودي والسيّديّ والرسولي المعترِف بهذه الاسفار الملهمة الموحى بها. وسنة 130 م تبرّأ اليهود التلموديون من “الترجمة السبعينية” اليونانية، وحرّموا قراءتها، مع أنها يهودية سابقة للمسيح، لا لشيء إلاّ لأن المسيحيين كانوا يستخدمونها إذ كان معظمهم من أصل وثنيّ وناطقًا باليونانيّة. وتبع “كارلشتاد” الألمانيّ نهجهم سنة 1520 م وهكذا حُرم الملايين من مطالعة قسم مرموق من كلام الله الموحى به وهي الكتب “القانونية الثانية” (التعبير من سيكستوس السياني) ووصفوها ب “أبوكريفا” أي منحولة. والجدير بالذّكر أنّ السيّد المسيح والرسل والتلاميذ في أسفار العهد الجديد يستشهدون بهذه الكتب نحو أربعين مرّة. مثلاً، بنص اليوم من سفر الحكمة (9: 13-18) يستشهد مار بولس ضمنًا في رومية 11:34، وقورنثوس الأولى 2: 16.

ومن المؤسف بشكل مأساويّ إقصاء سِفر الحكمة بالذّات! إنه من اسمى “نسور” الميثاق العتيق ولعلّه يشبه شيئًا من تحليق يوحنا الرسول الإنجيلي اللاهوتي الحبيب. وبه تستشهد صراحة بداية الرسالة إلى العبرانيين (1: 1 وتابع) في شأن المسيح “الابن الذي هو شعاع مجد الله وصورة جوهره” (عن حكمة 7: 24 وتابع). وفي هذا السّفر الأثيل مديح للبتوليّة وتهنئة لأناس قضوا نحبهم وهم في ريعان الشباب وفي رضى الرب (حكمة 4: 7). وفي هذه الأفكار سموّ على عقلية عبرية قديمة كانت تحسب قصر العمر لعنة والحياة الدنيا موضع العدالة بما أن الموت يطرح في الهاوية الاشرار والأبرار على حدّ سواء!

وفي حين قرّبت الحركة المسكونية بيننا، نحن المسيحيين، وصالحت بيننا في طبعها “الكتاب المقدس المسكوني” حيث وُضعت الاسفار التي يرفضها أبناء عمّنا اليهود وإخوتنا البروتستنت، غير أنّ “مناهج التعليم المسيحيّ المسكونيّ”، في فلسطين على الأقلّ، وانطلاقًا من الحرص على ما يجمع، أغفلت وربما ما زالت تفعل- خصوصيات الكنيسة الكاثوليكية والفرق في لائحة الكتب المقدسة. لذا، يجدر بمعلمي التربية المسيحية في المدارس الكاثوليكية إكمال ما ينقص في المناهج، “بوداعة ووقار”، “عاملين للحقّ في المحبّة”. وربّما أنّ مثل هذا الحرص موجود في مشروع المناهج القادمة.

    

أونيزيموس العبد والابن والأخ (فيلمون 9-17)

يبدو أنّ في عالم اليوم ما لا يقلّ عن 45 مليون و800 ألف عبد وأمة، ناهيكم عن العبودية والسبي الجديدين في مناطق من الشرق الأوسط. وقصة قراءة اليوم أنّ عبدًا اسمه “اونيزيموس” (وتعني اللفظة “مفيد”) اختلس من سيده فيلمون شيئا. يشفع مار بولس في أنيزيموس وهو “ابنه” الروحاني بما أن الرسول تلمذه وعمّده. وهذا النص يدلّ بشكل لا يقبل الشك على الأبوّة الروحانيّة للرسل وخلفائهم.

نعم، هذه شفاعة قديس حيّ- بولس- لدى إنسان، فيلمون. وتأتي بهذا الوضوح بعد شفاعة السيدة العذراء بأهل عرس قانا الجليل لدى ابنها وسيّدها الرب يسوع (يوحنا 2: 1-11). والشّفاعة مبنيّة على الاحترام والقيمة والمودّة ولا تعني “بطاقة واسطة” (فيتامين “واو”) لتقديم خائب أو لتفضيل فاسد! وتعلّم الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الارثوذكسية أن الرب يسوع هو الوسيط الوحيد بين الله والناس في حين أن الشفاعة مطلوبة منا جميعنا وهي “أمر حسن ومقبول لدى الله مخلصنا الذي يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا معرفة الحقّ” (عن تيموثاوس الأولى 2 : 1 -5).

حارب سيدنا يسوع المسيح العبوديّة الاجتماعيّة، مع أنه “أخذ صورة العبد” (فيليبي 2: 4 وتابع). قام بوظيفة العبد الوثني إذ غسل أقدام تلاميذه. ولكنه ألغى العبودية والسبي والسلب أي الغنائم برفضه الحرب والعنف في كل أشكالهما. إنّه، له المجد، يسوع الناصريّ الذي يرتقي بلا قياس فوق “يشوع بن نون” الذي اعتقد أنه يتم مشيئة الله إذا قتل الرجال وسبى النساء والأطفال. وقلع يسوع جذور العبودية إذ أعلن أنّ كل الناس سواسية في شريعة واحدة في الزواج، بلا تمييز بين عبد وحرّ، بين حرّة وأمة. وأحلّ الرب المعمودية للكل من غير تمييز بدل الختان الذي كان، شاء المرء أم ابى، عنصر عنصرية ونعرة بين “اليهودي واليوناني، العبد والحرّ، والذكَر والأنثى” (غلاطية 3: 26 وتابع).

سما يسوع فوق كلّ تمييز طبقيّ وألغى العبودية الاجتماعية لافتًا الأنظار إلى أنّ العبودية الحقيقية هي المعنوية اي الخضوع للأهواء والشهوات والغرائز والخطايا: “الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّ كل من يقترف الخطيئة هو عبد (للخطيئة)” (يوحنا 8 : 34). ويقرأ المرء في بعض المخطوطات الغربيّة القديمة: “كل من يقترف الخطيئة هو عبد”، بشكل مطلق!

 

“إذا أقبل أحد إليّ ولم يبغض أباه وأمّه … لا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لوقا 14: 25-33)

يا لوافر حكمة الكنيسة الكاثوليكية التي تنشر الكتاب المقدس مع مقدّمات وحواشي وتفسيرات، منعًا لسوء الفهم ودفعًا للتفسير الفردي الاعتباطيّ، خصوصًا عند قوم “الجهل وعدم الرسوخ” (عن 2 بطرس 1: 20، ثم 3 : 15 وتابع). وفعلاً، جلب “التفسير الفردي” آلاف الفئات الدخيلة، منذ القرن السادس عشر إلى أيّامنا. ولا يبدو أنّ هذه الانفلاتية سوف تقف طالما سيعمل أناس بالمبدأ القائل: “الكتاب المقدس هو المرجع الوحيد ويحقّ لكل امرىء تفسيره”.

أمامنا في قراءة إنجيل اليوم آية تحتاج إلى تفسير. إنها صعبة “عسيرة الفهم” والقبول. فلنسعينّ مع لغات الكتاب المقدس والتقليد الشريف أن نسبر نوعًا ما أغوارها.

  • ينقل النص اليوناني للإنجيل المقدس بأمانة الأصل الآرامي حيث يرد الفعل “سناه”. وربّما تعيننا في هذا المضمار لهجة القدس الفلسطينية العامّيّة حيث يعني فعل “شنيت فلان” لا الكراهية ولا البغضاء بل الاستياء وضربًا من الاشمئزاز بعد خيبة الأمل.
  • تفسير الكتاب المقدس يتمّ بأفضل وجه عن طريق وضع الآيات في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافيّ. سيّدنا يسوع المسيح يتكلّم ويعلّم ويدعو الناس إلى اتّباعه. أمامه يهود ووثنيّون. نحن تعوّدنا على السيد المسيح والإنجيل بحيث ما عدنا ندرك خطورة معظم أقواله وشأن معظم أعماله في ذلك الوقت ومع ذلك الشعب. في مقام آخر، أوضح يسوع الناصريّ أنّ اتّباع أحدهم له كان يضع التلميذ في موقف عداوة وحرب، “سيف ونار”، مع أهل بيته الذين بقوا على يهوديتهم أو وثنيتهم (عن متى 10 : 30 وتابع). وعليه، لكي يتبع أحدهم المسيح، كان لا بدّ له أحيانًا أن يقطع كل صلة حتى الرحم والنسب (عن لوقا 9: 57 – 62).
  • تفسير الكتاب المقدس بالكتاب المقدس: يقرأ المرء في ملاخي1 : 2-3، على لسان الله: “أحببتُ يعقوب وأبغضتُ عيسو”. “أبغضتُ” تعني “أحببته أقلّ من يعقوب”. وفي قول يسوع يعني فعل “أبغض” :”إذا أقبل إليّ أحد ولم يحببني أكثر من محبته لوالديه ولزوجته وأولاده… (ولا يذكر “حماته”!) فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا”! طبعًا، نفهم نحن المسيحيين هذه القساوة لأن المتكلم هو الربّ. ويبدو أنّ هنالك أحاديث مشابهة منسوبة إلى نبيّ الإسلام، في “صحيح البخاريّ” وسواه : ” لا يؤمن أحدكم إلاّ أن أصير أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين”.

 

“سرّ” تفضيل يعقوب على عيسو!

يعجز القديس أوغسطينوس العبقريّ في تفسير احتيال يعقوب ووالدته واختلاسه بركة البكورية من الغافل عيسو. وينهي الأسقف النابغة تعليقه بكلمات تدلّ على الاستسلام :”Non mendacium sed mysterium “ليست هذه كذبة بل هي سرّ ولغز”. نعم، لا فائدة من تبرير الكذب، من جهة، ولا من الادّعاء، من جهة أخرى، أننا نفهم “فكر الرب”! ولكن قد ندرك شيئا من ذلك السّرّ عندما نفهم أنّ “عيسو” (ولعلّ اسم “عيسى” مأخوذ منه للاستهتار بالسيد الرب يسوع)- عيسو كان – بعيدًا من القرّاء- نذلاً رخيصًا شرهًا “بطينيًّا” “كلّل” الغباوة بقلّة القيمة وانعدام الكرامة، فضحّى بحقوقه وامتيازاته في سبيل طبق من العدس!

 

خاتمة

أيّها المخلّص، يا من أعلن لنا: “لا أدعوكم عبيدًا بعد، بل أحبّائي، حرّرنا من عبوديّة الخطيئة وأعطنا المحبة الوجدانيّة لعائلاتنا وأصدقائنا لنرجو خيرهم “في أحشاء المسيح يسوع” وحنان العذراء والدته أمّنا وفي حضن الكنيسة بيتك وبيتنا، فنجد “مئة ضعف من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والبنين والبنات” “مع الحياة الأبدية”. آمين!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.