العفّة القاتلة

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

نشر هذا المنبر الأغرّ مقالات بنّاءة وسديدة بأقلام كتّاب مخضرمين لهم في الحياة باع طويل وفي المجتمع قدر كبير- وذلك في موضوع الفتاة الرّاحلة إسراء غريب ومثيلاتها اللّواتي ذقن الموت المرّ العنيف “على خلفيّة شرف العائلة”. وعندما يفكّر المرء في هذه المآسي يتساءل عن دور المجتمع والأسرة والدّين أيضًا، بحيث ما يحصل عندنا نحن العرب لا يحصل – ولا في المنام- عند غيرنا، إلاّ قليلاً. وفي هذه المصيبة نحن في قارب من الموت واحد، مسلمين ومسيحيّين بحيث أنّ الرّوح العشائريّة طغت عند “المسيحيّين” المعنيّين على روح الإنجيل وعلى “وداعة المسيح” وموقفه الواضح الرّافض لأيّ حكم إعدام خصوصًا أحاديّ الجانب وتحدّيه لشيوخ القوم: “من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر”(يوحنا 8. 7). ولا يعني موقفه تأييدًا للزنى – حاشى- بل دعوة لعدم الانزلاق فيه من جديد في حياة جديدة.

ويغتنم المرء هذه الفرصة لتبرئة كلا الدّينَين من “جرائم الشّرف” إذ يعلّمان، مع الحقّ العامّ والإنصاف في الحكم، أنّ تنفيذ أيّ عقاب، أكان جسديًّا أم معنويًّا، ليس من صلاحيّات الأفراد، بما فيهم الأهلون، بل هو من إلمام هيئات قضائيّة دينيّة أو مدنيّة، لأنّ الطّرف لا يجوز أن يتحوّل إلى قاضٍ في قضيّته، كما كان يقول الرّومان آباء الحقوق. وما القول العربيّ التّالي إلاّ تعبير عن ممارسة “عاطفيّة سلبيّة” – أي قتل المشتبه بهنّ- كانت واقعًا وصارت قاعدة يشعر البشر بإحراج إن لم يتمّوها:

” لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى                     حتّى يُراق على جوانبه الدّمُ”

 

في مخالفة الوصيّة الإلهيّة

بلا مؤاخذة، إنّ الزّنى فعل نفرين، إمّا من المحصنين أم غيرهم. وقد وضعت الشّريعة القديمة في الميثاق العتيق الجلد أو الرّجم عقوبة أي “حدًّا”. لذا، يبقى إنزال العقاب بطرف واحد ظُلمًا وتحيّزًا. وكان ذلك الموقف الذّكوريّ الّذي جلب الأنثى فقط أمام يسوع قسمًا من خبث المجرّبين للسّيّد المسيح ومن الفخ الذي نصبوه بقولهم: “إنّ موسى أمر برجم هذه ومثيلاتها” . وهذا خطأ إذ أمر موسى برجم الشّريكين. وكما قال السيد المسيح بعد أن أفحم المجرّبين: “أين الذين اتّهموك؟ إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة”، كان يمكن أن يقول لهم في حينه، من أوّل الأمر:”أين شريكها؟”

 

استفادة اليهود من المسلمين والمسيحيّين!

لا يريد المرء أن يتطفّل هنا لا على اليهوديّة ولا على الإسلام. ولكن يبدو أنّ بعض اليهود كانوا “يحرّفون الكلم عن مواضعه” بمعنى أنّهم حوّلوا الرّجم إلى جلد. وربّما فعل ذلك قوم منهم لإدراكهم أنّ الإعدام رجمًا لا رجعة بعده ولا إصلاح ولا تعويض إن كان الحكم غير عادل وغير موضوعي والتحقيق غير مكتمل. على أيّ حال سنة 1000 ميلادية في مدينة “ماينتس” الألمانيّة عقد علماء اليهود اجتماعًا برئاسة الحاخام “جرشون”. وقرّروا إلغاء الإعدام خصوصًا بالرّجم. تعايشهم مع الإسلام أفادهم بصعوبة الشّروط الموضوعة شرعًا لإثبات الزّنى والاحتياطات التي تتّخذها الشّريعة لئلاّ يأتي الحكم اعتباطًا بلا ادلّة كافية ولا اتفاق كامل بين أربعة شهود. ومن المسيحيّين استفاد “جرشون” أنّ مواقف السيد المسيح وأوامر الإنجيل ونواهيه تُقصي العنف في العقاب. وبقينا نحن، “في جرائم الشّرف”، نتجاهل الإنجيل ونتغافل عن شروط الشّريعة، رافعين لواء العشيرة والمجتمع، مضحّين ببناتنا خوفًا “من كلام النّاس”!

 

خاتمة

أُدخل تعديل على القانون الفلسطينيّ في شأن “جرائم الشّرف”. والمطلوب- كما كتب المفكّرون الأفاضل- أسلوب تربية جديد وتعليم وتوعية في احترام المرأة من جهة وإيضاح مواقف الديانة من جهة أخرى، لئلاّ ننسب إليها ما ليس فيها. ونستطيع أن نعيش من غير أن ينحدر قوم منا نحو الانحراف والرذيلة، ونستطيع أن نعيش بكرامة وشرف من غير أن نقتل بناتنا!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.