إلاّ المدارس

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

بين الأنباء التي أصبحت شبه “عاديّة” في إطار التجاوزات والتعديات التي لا حصر لها حرمان ثمانية عشر ألف طالب بدوي في النقب من الدراسة. ويسمع المرء أنّ المدارس الحكوميّة في الأردن مضربة لأسبوعها الثالث، والدراسة معطّلة والطلبة في الشّوارع أوفي المنازل بطّالون “يقتلون الوقت” ويغوصون في الجهل وتافه الأمور. وهنا، في مسألة النقب، يجد المرء واحدًا من أقسى أوجه الاحتلال بما أنّه يضرب العقل والفكر والثقافة والحضارة، خصوصًا عند قوم رفضوا سلبيّات البداوة وعلى رأسها الأمّيّة والجهل، وأرادوا لأنفسهم القدر الأدنى من العيش الكريم الذي حاول بعضهم أن يحرمهم منه أيضًا في “الخان الأحمر”.

 

المدرسة المدرسة في الحرب وتحت الاحتلال والاستعمار والسيطرة الغاشمة

تجهيل الشّعوب جزء ذو شأن من استراتيجيّة القهر والذّلّ والهيمنة على الشّعوب بلا دواء، كما قال أمير الشّعراءأحمد شوقي:

          ” العلم يرفع بيتًا لا عماد له                            والجهل يهدم بيت العزّ والشَّرَف”

ونكتفي هنا بإيراد مَثَلَين في هذا المضمار. يبدو أن بريطانيا، في الحرب العالمية الأولى، فطنت إلى مساوىء الحرب فنقلت طلابًا ومعلّمين إلى منطقة نائية بعيدة عن المعارك، فما تعطّلت لهم دراسة ، على المصائب والكوارث التي حلّت بالبلاد، ولا جلسوا بطّالين أو أمواتًا من الخوف والهواجس ولا ضحايا العاهات. ومع أنّ متطلّبات الحرب كانت تجنيد المعلّمين وتسخير الطّلاّب لخدمات حربيّة، غير أنّ بريطانيا حرصت أيضًا في تلك الفترة نفسها على تطوير الدّراسة وتحسين أساليبها في ظروف عسيرة جدًّا ما جعلت الشّعب يركع. وكان في ذلك الفضل للأديرة كبير وهي التي حضنت الكثير من العائلات والمدارس. ثم أتى تطوّع طلاّب جامعيين سدّوا نوعًا ما فراغ المعلّمين النظاميّين المجنّدين. ودخلت الآنسات والسيدات على السّاحة لتعليم الطلبة وتربيتهم.

أمّا في اليونان، في القرن التّاسع عشر، فقد تمّ إغلاق المدارس. وما استسلم الشّعب لهذا الإجراء التّعسّفيّ. وأفهم الوالدون أولادهم أنه عليهم أن يدرسوا في الليل بعد أن يذهب الحرس وسائر معشر الجنود. وفعلاً كان صغار اليونانيين ينتظرون أن يرخي الليل سدوله ليذهبوا إلى المكان المتواضع في “حارتهم” والذي كان يخدم كمدرسة بسيطة. وتمّ تخليد هذا الواقع المؤثّر بقصيدة أضحت نشيدًا شبه وطنيّ شامل يحلو للمرء الاستشهاد به من جديد: “فنجراكي مو لمبرو:”

          “أضىء لي، أيا قمري الصّغير                  أضىء لي لكيما أسير

          كي أذهب إلى المدرسة                        كي أتعلّم الأشياء

          الأحرف وكل ما هو ذو شأن                  أمور الله! “

 

من واقعنا في فلسطين

أحيانًا كانت عندنا إضرابات عن الدّراسة وأخرى “تجاريّة” ما كانت تضرّ الخصم الإسرائيليّ. وفي الانتفاضة الأولى – على سبيل المثال، طالت الإضرابات وتعطّلت الدراسة عندنا لأشهر طويلة. ويذكر الدّاعي عدم استسلام أهالي بيت ساحور للإضراب والبطالة ومنزلق الجهل والأمّيّة، فنظّموا “مدارس حارات” يقدّم فيها مدرّسون ومتطوّعون الدروس للطلبة.

أمّا الإضرابات “الاقتصادية” التي تضرب المدارس فهي أيضًا من أقسى الإجراءات وأمرّها ويا ليت شعوبنا تستغني عنها، وإن ظهرت الوسيلة الوحيدة للاحتجاج. من جهة أخرى، لا يحقّ لنا أن نتفلسف على المعلّمين في الأردنّ الشّقيق، فالذي “تحت العصي ليس مثل الذي يحصيها”. ولكن يلزمنا إيجاد طرق أخرى للاحتجاج وعدم التضحية ولا بأي شكل من الأشكال بمستقبل طلابنا فيمسون رهائن بين الحكومات والنقابات في الحاضر ومواطنين جهّالاً أمّيّين في المستقبل.

 

خاتمة

يدري الله ما تخبّىء لنا الأيّام في هذه البلاد والصّراعات. ولكن يجب أن نتعلّم من أخطائنا وننبذ الأنانية والروح المادّيّة لنسعى إلى التقوى والعلم ونطرد الأمّيّة والجهل والجهالة والمروق، فتتألق أوطاننا وتُبنى بيوتنا ويتفوّق شبابنا في طريق النّور!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.