الأحد السّادس والعشرون للسّنة ج 2019

أثرياء الثّرى فقراء الثريّا !

(عاموس 6: 1-7، تيموثاوس الأولى 6: 10-16، لوقا 16: 19- 31)

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

                                                      

يجدر بنا دومًا أن نكرّر أنّ العربيّة لا تعرف إلاّ غنيًّا واحدًا وهو الغني أي الله. أمّا البشر فكلّهم “معوزون” لأنهم جميعًا بحاجة إلى أناس وأشياء، من مهدهم إلى لحدهم، بما فيهم “الأثرياء”. وجيّد للثريّ أن يدرك أنّ ثراءه من الثّرى كما أنشدت رابعة العدويّة “وكلّ ما فوق التراب تراب”، بحيث أن نظرة منه أفقية إلى أخيه المتألمّ الفقير ،ونظرة أخرى عامودية إلى الخالق والثريّا ،تضعان عنده الناس والأمور في حجمها الصحيح. وقد لحظ القديس هييرونيموس (في عظته رقم 86) أنّ العيب ليس في الثراء عند “الرجُل الموسر” (غير المذكور اسمه في الإنجيل!) بل في قساوته وتصلّبه وعدم شعوره مع المسكين ، وعدم”مؤازرته” للمعوز المسمّى “لعازر” أي “الذي ينال المؤازرة” والعون. اسم المسكين دعوة تجاهلها الثريّ ، ودعاء.

ويلوم عاموس النبي أثرياء جنوب فلسطين للسبب ذاته، وكأنّ المال الوفير “يُتَمْسِح القلب” ويجمّد الوجدان. وفعلاً نشهد هذا التصلّب وهذا التجمّد عند نفر كثير : مليونير ما زال يطمع بالمزيد ، وأثرياء يختلسون ويخدعون وكأنهم بحاجة إلى قرش أحمر، وقادة سياسيون، يبيعون دينهم ودولهم في سبيل مكسب ليسوا إليه بمفتقرين، ولكن الطمع لا حدّ له “ومحبة المال أصل كلّ الشرور”.

 

“اهرب يا رجُل الله من الطّمع” (تيموثاوس الأولى 6 : 11)

الآية العاشرة من الفصل السادس لرسالة تيموثاوس الأولى، “تضايق” الرئاسة الماليّة والإدارية لجماعة “شهود يهوه”، بما أن مؤسستهم كمنظّمة، مبنية فقط على جمع الأموال، التي تأتي من بيع أو “توزيع” الكتب والمجلاّت والكراريس. لذا، تقوم هذه الحركة غير المسيحيّة، بتحريف هذه الآية أيضًا وتخفيفها : “إنّ محبّة المال أصل لكلّ أنواع الأذيّة”. زادت لفظة “أنواع” وذلك للتخفيف، وبدل “الشرور” وضعت “الأذيّة” أي الأضرار، ولكن الشرّ اللاأخلاقيّ هو السبب، أمّا الضرر أو الأذيّة فهي النتيجة!

وهذه فرصة يغتنمها المرء ، لكي يفهم كلّ لبيب بالإشارة، تخفيف مؤسسة “شهود يهوه” لنص آخر، يطعن باليهود المضطهدين للأنبياء، القاتلين للرب يسوع ،والمعادين لجميع الناس، وذلك في تسالونقي الأولى 2: 14 وتابع. هذا هو النص المقدس : ” (اليهود) الذين قتلوا أيضًا الرب يسوع والأنبياء واضطهدونا ، وهم لا يُرضون الله ويعادون جميع الناس، ويمنعوننا أن نكلّم الأمم حتّى تخلص”. وهذا هو النقل الأمريكي (أي “الترجمة”) المتعاطفة مع اليهود : “قتلوا الرب يسوع (من غير كلمة “أيضًا” التي تعني “حتّى الرب يسوع”) … بل هم ضدّ (مصالح) كلّ النّاس، إذ يحاولون أن يعوقونا…”

 

مثَل لعازر والثريّ (لوقا 16 : 19-31)

هو إتمام رمزيّ للحكم أي الدينونة السيدية في نهاية الدهر : “كنت عريانًا فما كَسَوتموني” أو بالخلاصة “كنت محتاجًا وما ساعدتموني”. وممكن أن يستنتج المرء تقلّب أحوال هذه الدنيا، بمعنى أن الموت يقلب الموازين والوقائع، فيصبح الثري شقيًّا والفقير سعيدًا، في الآخرة. أمّا أبديّة “النار” أو “اللهيب” فلم ترد في هذا المَثَل بشكل صريح، ولكنها واضحة من مقاطع أخرى من الإنجيل الطاهر وسواه في العهد الجديد، ولا سيّما في متّى 25: 46 : “يذهب الأشرار إلى عذاب أبدي” (اللفظة في اليونانية هي “كولاسيس κόλασις). وبما أنها “لا تناسب” قوم بروكلين أي رئاسة “شهود يهوه”،تحرّف هذه الفئة غير المسيحية النص المقدس بشكل يتفق مع تعاليمها المهلكة (عن 2 بطرس 2 : 2)، التي تنكر أبدية جهنّم، وفي ذلك دعوة غير مباشرة للإباحية، تكمل تعليمها المدمّر في “بطلان الوصايا العشر” “يمكنكم أن تحيوا إلى الأبد في الفردوس على الأرض” ، ص 206، و”ليكن الله صادقًا” ص 221). وهذا هو التحريف: ” قطع أبدي” بدل “عذاب”.

قد يعترض بعض القرّاء الأفاضل على هذا الاستطراد حول الأبديّة ،ولكنه ضروريّ بسبب ما ينشره دعاة تلك الحركة على الشبكة العنقودية (مثلاً في الإسبانية)، وهم يطعنون الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الأرثوذكسية، ليس فقط لتعليمهما عن أبدية الشقاء في الآخرة ،بل يتّهمونهما بالاستناد إلى مثَل لعازر والرجل الموسر لتأكيد ذلك العذاب المؤبّد.

 

خاتمة

منحنا الله، بعد عمر طويل، أن نُرفَع “إلى حضن إبراهيم” في الأفراح السماوية الخالدة!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.