دعم السّدّة البطرسيّة الفاتيكانيّة للمقدّسات المسيحيّة والإسلاميّة

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

أرسل قداسة البابا فرنسيس الأوّل مندوبه الشّخصيّ ورئيس المجمع الشّرقي نيافة الكردينال ليوناردو ساندري، وهو مواطنه من الأرجنتين، لكي يدخل رسميًّا إلى القبر المقدّس احتفالاً بحجّ القديس فرنسيس إلى الديار المقدسة في إطار زيارته للسلطان الكامل في دمياط، وبخدمة الآباء الفرنسيسكان في الأرض المقدّسة لمدّة ثمانية قرون. وما فات الفاتيكان أن يقوم الكردينال المندوب البابويّ بزيارة للمقدسات الإسلاميّة تضامنًا مع المسلمين والقضيّة الفلسطينيّة خصوصًا بعد ما تعرّض له المسجد الأقصى من اقتحامات (52 فقط في هذا الشّهر!) .

وفاضت الدّموع في أثناء هذه الزّيارة المؤثّرة المأثورة، إذ ليس هذا الكردينال أيّ كردينال، وليس الفاتيكان أيّ منبر وأيّة مؤسسة، بل هو الإدارة العريقة للكنيسة الكاثوليكيّة الجامعة، حيث “مقرّ العقائد القويمة… وبمثابة منارة جميع الكنائس تحت الشّمس” (البطريرك صفرونيوس) وضمير العالم خصوصًا الغربيّ والصّرح المنيع أمام انحرافات الفكر والسلوكيّات، وإن قام بعض رجال الدين غير المسؤولين أحيانًا بتصريحات غير واضحة أو غير سديدة لا يمثّلون فيها إلاّ أنفسهم. ها هو أمامنا نائب “الباب” (كما كان المؤرخون العرب يدعون الحبر الأعظم  الرّوماني الذي كانوا يعدّونه ملكًا أيضًا)، يقف في الساحات القدسيّة ينقل تعاطف قداسته مع الأمّة الإسلاميّة والعربيّة ويستمع إلى مسؤولي الأوقاف الّذين يساورهم القلق على المقدّسات. وهذه الزّيارة خير من مئة خطاب إذ تدلّ ليس فقط على تأييد أسمى من حاضرة الفاتيكان بل أيضًا إلى دعم للشّرعيّة الدّوليّة والوضع القائم الذي لا تغيّر منه الهيمنة العسكرية والنّهم الاستيطانيّ التّلموديّ شيئًا. ولا ينسىى المرء الفضل الهاشميّ الأردنيّ في هذا المضمار .

 

مغزى تاريخيّ كبير لهذه الزّيارة الفاتيكانيّة

فهمنا من غير التباس وقوف الفاتيكان بقرب العالم الإسلاميّ في سبيل مقدّساته. ومعروف موقف الكرسي الرسولي من الشعب الفلسطيني وقضيّته العادلة ، إذ أصدر ما لا يقلّ عن مئة وثيقة عن القدس وأغاث الشعب الفلسطيني اللاجىء في “البعثة البابوية من أجل فلسطين” ومؤسسات أخرى كثيرة مثل “الإغاثة الكاثوليكية” وسواها حتّى أيّامنا، بلا كلل، ناهيكم عن كلمة الحقّ في المحافل الدّوليّة. ويجب أن تُسرد كل هذه الوقائع المشرّفة في كتب التاريخ المدرسي والجامعي. أمّا وسائل الإعلام، مثل هذا المنبر الأغرّ – صحيفة “القدس” الأثيلة، فلا تقصّر في هذه الرسالة التي هي جسر مودّة بين المسلمين- ولا سيّما المواطنين – والمسيحيّين الّذين هم “أقرب الناس مودّة للّذين آمنوا” (عن سورة المائدة 83 اقتباس غير حرفيّ). ويجدر أن يتمّ الاتّزان بحيث أنّ كتب التاريخ، كما روت بالتّفصيل عداوات الماضي بين الفرنجة والمسلمين، أن تروي الآن ما تمّ من سموّ فوق الخصومات وتقارب وتحابّ وتسامح “وتطهير للذّاكرة” (القديس البابا يوحنا بولس الثاني)، بحيث أصبح الفاتيكان والعالم الإسلاميّ تحت لواء واحد أمام الاحتلال في الذّود عن المقدّسات وعن قضيّة هذه الأرض الطّهور وهذا الشّعب المقهور- التي هي قضيّتنا جميعًا.

لئلاّ نعيش في الأوهام، نعرف أنّ بيننا اختلافات عقائديّة نتجادل في شأنها “بالتي هي أحسن” وصعوبات في التّعايش أحيانًا هي طبيعيّة بين بني آدم، إذ ما أراد الله أن نكون أمّة واحدة، ولكن تنقية الذّاكرة والتصافي والتّغلّب على الأفكار المسبقة المغلوطة والمشاعر السّلبيّة تساعد على تناغم أفضل لخير الوطن والإنسانيّة، ونحن مع الكرسي الرسولي والأزهر ودول كثيرة من العالم الإسلاميّ على طريق التقارب الواقعيّ سائرون.

 

خاتمة

بين الخليفة الفاروق والبطريرك السرياني المقدسي صفرونيوس، والسلطان الملك الكامل، الحاكم الأيوبي وإضافته لبضعة أيام القديس فرنسيس الأسيزي قبل ثمانية قرون، نجد مثالين للتقارب والحوار نحن “بأمسّ الحاجة إليهما في عصرنا، وهما ضرورة أكثر من أيّ وقت مضى” (البابا بندكتوس السادس عشر). وحان الوقت أن تضع الحروب الأهليّة في وطننا العربي أوزارها وأن تتفرّغ الأمّة العربيّة والإسلاميّة لاسترداد حقوقها الدّينيّة والوطنيّة والسيادة على مقدّساتها، مجدًا لله وبركة للإنسان!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.