أصول الاستغفار

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

يحتفل العبرانيّون بيوم الغفران ويغلقون على أنفسهم وعلينا مستغفرين طالبين الصفح بعضهم من بعضهم. وما خطر على بال زعمائهم السياسيين والعسكريين وإلى أفرادهم ومجموعاتهم- إلاّ ما ندر- أن يطلبوا السماح من “الأمم” التي ظلموها ويظلمونها كل يوم، أي عدد كبير من شعوب المنطقة التي ذاقت الأهوال بسببهم. وإذ نستغرب هذه الظّاهرة، نجد تفسيرًا لها في الكتابات التّلموديّة الربابينيّة. وهذه أفكار نرجو أن توضح الأمر، في حين أنّ المسيح في الصلاة السّيّديّة المسيحيّة علّمنا أن نقول: “إغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لكل من أخطأ وأساء إلينا”. ولكنّ اليهودية الربابينيّة ما وصلت إلى هذا السموّ ولا يبدو أنها راغبة في بلوغ تلك الشّمولية في الصفح والسماح.

 

من الأفكار والمواقف والمشاعر الشّوفينيّة العبريّة

يعيد المرء هنا بعض ما نشره من مقالات الداعي هذا المنبر الأغر، وفي الإعادة إفادة والتّلخيص. “عندما يُعرف السبب يبطل العجب”، وإن كان ذلك السبب خفيًّا في بطون الكتب. ومن حقّنا إظهار محتوياتها وواجبنا، لا عن كراهيّة بل تبيانًا للحقيقة وتفهّمًا لواقع نتألّم منه ويؤذي العبرانيّين أنفسهم، مع أنه يروق لهم. تبدأ القصّة مع ابنَي آدم، لا حسب التّوراة بل انطلاقًا من التّلمود – بريشيت ربّا 4- حيث يكتب أنّ نفسًا من إسرائيل ” تساوي عالماً بأسره”. فلا نستغربنّ عندما يقتل العبرانيّون ثلاثة آلاف غزّيين فلسطينيّين “مقابل” ثلاثة مستوطنين. ونغوص في أعماق التّلمود حيث نجد أنّ “الجوييم” أي “الأمم” ليسوا بشرًا وأنّ إناثهم نجسات وأنّهم إنّما خُلقوا لخدمة اليهود وأنّ مجيء المسيح المنتظر سترافقه ظاهرة اقتناء كل يهودي للعشرات من العبيد من “الأمم”.

 

خطورة إضفاء “النّسبيّة” على عدد من الكلمات أي الوصايا العشر!

الله تعالى مطلق وكلماته مطلقة لا مساومة فيها ولا نسبيّة في التوراة والعهد الجديد. ولكن في التّلمود يمسي عدد من الوصايا نسبيًّا أي تضحي النّواهي نسبيّة وباطلة عندما تخصّ “الأمم” أي غير اليهود. مثلاً، وصيّة “لا تقتل” تبقى سارية المفعول نحو اليهود ولكنها لاغية مع “الأمم” في عدّة ظروف أو بشكل عامّ، كقول التلمود: “أفضل الجوييم يجب قتله” و”يجب قتل الأممي الذي يحاول دراسة التوراة”. ووصيّة “لا تسرق” مطلقة على اليهوديّ ولكنها تزول مع “الأمميّين” لدرجة أن العبراني يقترف خطيئة “إذا أعاد إلى الأمميّ شيئا اقترضه منه”. و”أحبب قريبك حبّك لنفسك” لا تشمل إلاّ القريب اليهودي وال”جير” أي الأمميّ الساكن في تخوم اليهود لا لسواد عينيه بل لفائدته كجار. “ولا تشته امرأة قريبك” نهي يزول ولا يسري على “الأمميّ” الذي يحاربه العبرانيّون ولا عقاب للعبريّ الّذي يلهو بنساء “الأمميّين” في حين أنه يجب قتل “الأمميّ” الّذي يبسط إلى عبرانيّة يده. أمّا النّهي “لا تشهد بالزّور” فيجوز في كلّ تعامل مع “الأمميّين”. وكان السّيّد المسيح قد لام بشدّة رؤساء الكهنة والفرّيسيّين والكتبة (وخلفاءهم) لأنّهم “أهملوا وصيّة الله وتمسّكوا بسنن البشر” (عن مرقس 7: 8).

 

نصّ غريب من التلمود البابليّ لعلّه لحظة حقيقة!

في فصل “يوما رابا” عن “يوم الغفران” يقرأ المرء هذه الجملة الغريبة: “أربعين سنة قبل خراب البيت (أي الهيكل)، ما عاد الرب يقبل الذّبائح”. وتصادف الثلاثينات من القرن الميلادي الأول مؤامرة اليهود بالسيد المسيح وحكم بيلاطوس عليه بعد أن ابتزّه رؤساء الكهنة والفرّيسيّون والكتبة. وفي الجملة المذكورة استياء من العبرانيّين دفين. ويجد المرء في النّص القرآني أيضًا (سورة النساء 156 وتابع) افتراء اليهود على السيدة مريم العذراء وتشّدقهم: “إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم”!

وهذه مناسبة لنؤكّد، أمام المتفذلكين، حقيقة نبوّة المسيح عن دمار الهيكل بمعنى أنّ الرسل لم يزيدوا هذه الآيات على كلام المعلّم. وبالفعل هذه النبوّة سارية إلى أيّامنا، مهما حفر “الأمناء”!

 

خاتمة

ما أجمل أن يعترف الإنسان بأخطائه اعتراف المريض بمرضه، وإلاّ فلا سبيل إلى الشّفاء! وما أجمل العدل بين النّاس كما قال الرسول بطرس: “الآن علمتُ يقينًا أنّ الله لا يميّز أحدًا عن أحد، فكلّ من اتّقاه تعالى من أيّة أمّة كان وعمل البِرّ كان عنده تعالى موضع رضى” (أعمال الرسل 10: 35).

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.