من أنوار العصور الوسطى الرّوحانيّة والعلميّة والعالميّة

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

ظلم كبير وصف العصر الوسيط بالظلام. ومن هذا المنبر الأغرّ أعطيت تفسيرات لهذه الظّاهرة الجائرة منها الحقد الإنكليزي الأنكليكاني على الكنيسة الكاثوليكيّة في زمن الانتداب البريطانيّ وامتعاض بعض مسيحيّي الشّرق (إلى أيّامنا) والمسلمين من حروب الفرنجة وعدم قراءة التاريخ بأكمله. ومع أنّ الأب الراحل جورج سابا قد بيّن بالتّفصيل خطأ المقولة بالعصور الوسطى أنها كانت زمن ظلمة ومع أن الكتيّب “بعض القضايا في تاريخ الكنيسة” عُمّم على المدارس الكاثوليكيّة في فلسطين والأردنّ، إلاّ أنّ المدارس كانت تحت نوع من”الإرهاب الفكريّ” من وزارات التّربية والتعليم المختلفة التي ما استمعت مدة أكثر من أربعين سنة إلى شكاوى الكاثوليك وأهل الحقّ. وحسبنا الآن أن نورد فقط مثالَين بليغين هما غيض من فيض ونقطتان من محيط لأنوار العصر الوسيط التي لا يجوز لنا في الشرق أن نتخلّف عن معرفتها وعن إعادة “الاعتبار” إلى تلك الحقبة ذات الشّأن، من غير إنكار العيوب والنقائص التي زال معظمها عند الكنيسة الكاثوليكية وبقي عند سواها من منتقديها. ونفر كثير من المؤرّخين الغربيين المعاصرين، خصوصًا من غير كاثوليك ، على سبيل المثال “مادن” و “رنسيمان” و”نيغري”، أنصفوا العصور الوسطى بوثائق ووقائع بعيدة عن التحيّز والحقد والغوغائيّة وكانت لهم شجاعة قول الحقّ أمام تيّار التّحامل والتّهجم العارم.

  • من أنوار الإصلاح والتّجديد والقداسة: القدّيسة تريزا من أفيلا (1515- 1582)

شاءت الأقدار أن تجمع هذه الراهبة الفاضلة سموّ البِرّ ورفعة الأدب وشجاعة النقد الذاتي والإصلاح الحقيقي للرهبنة وفي نفس الوقت أن تصادف وفاتها يوم المنعطف الأكبر في الفلك والتقويم الإنسانيّين وهو الذي تسير عليه البشريّة إلى أيّامنا. في هذا القسم الرّوحانيّ الأوّل، يجدر التوضيح أنّ الكاثوليك في الغرب ما كانوا مجبولين بالشّرّ لا يسعون إلاّ إلى القتل. الخطّ العامّ لتصرف الأفراد والشّعوب كان الإيمان والتّقوى والورع. وشجّع عنصر التقوى- بل فرضه نوعًا ما- ورع الملوك والأمراء ووضعهم أيديهم في أيدي الكنيسة التي أعطوها صلاحيات اجتماعية وقانونيّة وأملاكًا كثيرة. فكانت العائلات، على سبيل المثال، تقدّم ثاني أبنائها أو بناتها للكنيسة وتكنّ لها احترامًا كبيرًا (لا نراه اليوم!) وشكرانًا عميقًا بما أنّ الكنيسة لا الدولة هي التي كانت تؤسس المدارس والمستشفيات. وعندما كان الطفل الثاني المرشح للرهبنة أو الكهنوت يجد أنّ تلك الحياة الدينية لا تناسبه، ما كان يستطيع الخروج دومًا بسبب الضغوط الاجتماعية. وأحيانا كان يقبل الأمر الواقع أو حتى يتألّق في أمور الدين، مثل الطفل ابن اثنتي عشرة سنة كارلو بوروميو، ابن شقيقة البابا حينها، الذي عُيّن كردينالاً في تلك السن. ولكنّه أخذ الموضوع بجدية ورصانة وبطولة فصار أعظم مصلح للأبرشيات الكاثوليكية، انطلاقا من ميلانو.

دخلت تريزيا الرهبنة الكرملية. سرعان ما لحظت تسرب الدنيوية إلى أديرتها. فما انشقت عن الكنيسة بل راحت تؤنّب المسؤولات وتجوب اسبانيا وهي تزور كل دير وتغيّر كل ما استطاعت وفضحت تلك التجاوزات. لقيت كثيرا من المعارضة والمعاداة ولكنها استمرت في نضالها متسلحة بالصلاة والتأمل. ووصل صدى إصلاحها إلى الفاتيكان وأيّدها البابوات وأخذت أديرة الحالي الروحاني الذي يتميز بالزهد والتقشف.

ولم تطفىء التقوى عندها شعلة الأدب ومؤلفاتها خصوصًا “السيرة الذاتية” و “طريق الكمال” من عوامل النّهضة في الأدب الإسبانيّ.

وفي العصور الوسطى، بداية بالقديس العبقري أوغسطينوس، جحافل من القديسين والقديسات الذين لم يكونوا “أفرادا صالحين وسط كنيسة فاسدة” بل قديسين موهوبين ترك معظمهم رهبنات ومؤسسات ضمّت حتى هذه اللحظة وحضنت ملايين المسيحيين. ومنهم من كان عالما أومخترعًا أو مكتشفا. وحتى الآن يجهل معظم الناس، حتى المسيحيين، أمر قداستهم ونبوغهم بسبب التعتيم الذي أشرنا إليه والتشويه. ولئلاّ يملّ القارىء الكريم يكفينا ذِكر القدّيس فرنسيس والقديس كلارا الأسيزية والقديس العالم ألبرتوس والقديس عبد الأحد والقديس منصور ده باول ويوحنا ده لا سال…

  • انفجار العلم والفلك والتقويم العالمي الجديد يوم وفاة القديسة تريزيا الأفيليّة!

صحيح أنّ ليس لقدّيستنا الإسبانيّة فضل في الموضوع. توفيت في 4 تشرين الأول اكتوبر سنة 1582. كان حينها حبرًا أعظم العالم الفلكي غريغوريوس الثالث عشر الذي، من ناحية أخرى، كان موضوع لوم لبعض التصرفات. ولا يغفل تاريخ الكنيسة ذلك. ولكنه كان حادّ الذكاء شديد الاطّلاع عالي الإلمام. واكتشف أنّ عشرة ايام قد تمّ حذفها من تاريخ الإنسانية (خصوصًا منذ سنة 325 م) لأنّ السنة كانت تُحسب365 يوما وربع (حساب سوسجينيس ويوليوس قيصر) في حين أنها أقلّ من ذلك بدقائق تجمّعت عبر العصور حتى أصبحت عشرة أيام. فأمر البابا غريغوروس الثالث عشر أن يكون اليوم التالي للرابع من أكتوبر حينها (يوم وفاة القديسة تريزيا) أن يكون لا الخامس بل الخامس عشر. ولذلك أتى القول: ماتت تريزيا في الرابع من اكتوبر ودُفنت في اليوم التالي أي الخامس عشر!

والعالم كلّه يسير على التقويم لا اليولياني بل الغريغوري.

هذا الاكتشاف ابن الفاتيكان والعصور الوسطى يعطينا فكرة عن عظمة الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى وهو أحد مئات الاكتشافات والاختراعات التي يجد التاريخ النزيه أنّ أبطالها كهنة ورهبان وأساقفة كاثوليك يعجز القلم”عن وصف أفضالهم” (فرنسيس ريبلي). وليس الأمر عجيبًا لانكباب الرهبان والكهنة على مخطوطات العلوم والآداب والفلسفة والطب بحيث انهم هم الذين حفظوا الحضارة الأوروبية حتى وسط غزو البرابرة وسقوط الإمبراطورية الرومانية.

 

خاتمة: ألا نعيش اليوم في العصور المظلمة؟

إنها عصور متقدمة تقنولوجيًا ومن ناحية الرفاهية وصنع الأسلحة وتصديرها وحرق البشر بها. ولكن الدجى يسري عند شعوب غربية رمت الديانة والعائلة من وراء ظهرها وصارت تفضل الكلاب والقطط على الأطفال، والمثليين على الأزواج والآباء والامّهات، والإجهاض على نقل الحياة “التي هي نور الناس”. فلنسألنّ الباري تعالى أن يزيد التقدّم المادي ويشعل نور التقدّم الإيماني الأخلاقي!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.