الخوف أن تصدق هيلين توماس

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

هي صحفيّة أمريكية من أصل لبنانيّ عاصرت عشرة رؤساء أمريكيين وكانت رئيسة مراسلي البيت الأبيض وغادرت هذه الدنيا سنة 2013 وهي بنت خمس وتسعين سنة. واجهت بشجاعة الرجال وعزم الأبطال القوات التي كانت وراء الكواليس في الإدارة الأمريكية وتجرّأت وقالت كلمة الحق معرّضة حياتها للخطر. وسيرتها وعدم خشيتها لومة لائم عبرة لنا بليغة وللعالم، وقد واجهت أقوى نفوذ في العالم وأعظم العظماء وأكبر الشخصيات تأثيرًا وشراسة ومكرا وأذى.

ولكن بين نبوّاتها أو تكهّناتها كلمة خطيرة: “إنّ المنطقة العربيّة ستنتهي” أو على الأقلّ ستقسّم، وأنّ “القوى الغربية خصوصا من بريطانيا وفرنسا “استحضرت روح سايكس وبيكو”، لتتقاسم تلك البلاد العربية المدمّرة زمرة تنضم إليها دول عظمى أخرى. وكان قد أكّد المفهوم نفسه تقريبًا كل من المسؤول الأمريكي السابق جيمس وولسي والإسرائيلي مارك ريجف:”المنطقة العربية سوف تتغيّر، ونحن لن نسكت”، كما ينقل إلينا الباحث عمر عبيدي. وكانت الإدارة الأمريكية، مع جورج بوش الابن، ما ترددت أن تشير إلى “نظام عالمي جديد” خصوصا في الشرق الأوسط.

 

بلاد عربيّة تهتزّ والديموقراطيّة تتحرّك بلا وجهة ولا حكمة وبدمار إضافي داخلي كبير!

طبعًا، هنالك دول وعوامل خارجيّة تعبث بعدد من دولنا وتغري بالمال والمناصب والكراسي، ناهيكم عن بيعها للأسلحة التي وقودها البشر المساكين. ولكنّ بيننا أيضًا سبب بعض مشاكلنا، كما قال الدالاي لاما. وعندنا معشر العرب مشكلة مع الديموقراطية ومع الحرّيّة. وليس سرًّا أنّ الأنظمة الملكية أو الإماراتيّة وكذلك الدكتاتورية حصلت – وما تزال- على نوع من الاستقرار الذي ينقص – بتفاوت- في “جمهورياتنا”. والاعتراف بالنقص والتقصير فضيلة!

 

من مقدّمة ابن خلدون: “البداوة” في النفس!

ينتقد ابن خلدون العروبة إذ يكتب تقريبًا “عندها البداوة في نفسها” بحيث تحمل تلك البداوة أينما حلّت، فلا يتمّ بنيان. وليس قصد فيلسوف التاريخ “البداوة” في نبلها ومروءتها وشهامتها وضيافتها وسعة آفاقها، بل النّزعة إلى الفوضى والدمار وعدم التعاون مع فاعلي الخير وعدم إكبار المتفوقين والمتميزين بل محاولة سحقهم وتحطيمهم. وترافق هذه “البداوة” – وهي أيضًا “بدائية”- مواقف شبه متناقضة بين القبليّة والانفراديّة. نجد “روح العشيرة” تغلب على الانتخابات والخيارات السياسية والاجتماعية. وبطريق غريبة، نجد أيضا الانفرادية التي شعارها “اللهمّ نفسي!” ولعلّ التفسير لهذا التناقض الظاهر هو أنّ “القبلية” أو “العشائرية” أو “محسوبية الشللية” ما هي إلاّ أنانية جماعية في خط الأنانية الفردية وامتداد لها .

 

خاتمة :السّموّ فوق الأنانيّة !

لا سيطرة لنا على مقدرات كثيرة ذات شأن، ونحن مواطنون صغار ضعفاء لا يعمل لنا “العظماء” حسابا! ولكن نستطيع بعون الله أن نتغلّب على الأنانية في حياتنا وعلاقاتنا، بداية من الأسرة التي يجب أن تكون- وهي فعلاً كذلك حتّى الآن ، بحمد الله- دفء الحب ومعقل الحنان وقصر المغفرة وصرح التفاني في الزواج المقدس وصلة الرحم وإكرام الوالدين وغمر الأولاد بالمحبة. ويأتي المعبد، من جامع أو كنيسة، ليشدّد على أن المرء لا يستطيع أن يحب الإله الذي لا تراه عين البشر إذا كان يبغض زميله الإنسان الذي يراه. ويجدر بالمدرسة أن تسير في منهاج الحقيقة والمودّة، بلا تشويه للتاريخ وفي نفس الوقت بلا إغراق للطلبة في خضمّ الأحلام والخيال، خصوصًا في شأن قضايانا الوطنية ومشاكلنا الحياتية. فالحق وحده يحررنا، والمحبة هي “رباط الكمال” .

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.