خناجر في صدر التاريخ

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

سمعنا الأخبار وقد هاجت الدنيا وماجت في “فلسطين”(وهي أصلاً المقاطعة المحاذية للساحل المكوّنة من خمس مدن كانت دولاً على النمط الإغريقي) : اغتيال اسرائيل لقيادي فلسطينيّ يخدم قتله مكيافيلية سياسيّة لنفر أو فرد لا يريد أن يتزحزح عن كرسيه. وقتيل اسرائيلي. وأربعة وثلاثون شهيدا فلسطينيا خصوصا من النساء والأطفال، بما فيهم أسرة كاملة. هنا، رجعنا لا إلى حمورابي ولا إلى موسى النبي بل إلى المدعوّ “لامك” الذي انتقم لنفسه مرّتين وبلا نسبة. وعرفنا في قطاع غزّة الانتقام العبري ألف مرّة عندما اختفى ثلاثة تلاميذ تلموديون ونُسب خطفهم وقتلهم إلى الفلسطينيين فقامت حرب شعواء راح ضحيتها ثلاثة آلاف مواطن غزّي. ولا عجب من هذه الأرقام المذهلة بما أنّ التلمود البابلي في تفسير سفر التكوين راباه 4 يعلن أنّ يهوديا واحدا “يساوي العالم بملئىه”!

 

أسماء مدن عريقة لطّخها الدم وغطّاها الموت العنيف

قد نكون سذّجًا إذ نستغرب الحرب والدمار والقتل في بلد وصفه الجاسوسان العبريّان بأنه “أرض تأكل أهلها” أو نتوهّم أنّ التقدم- بل التفوق- العلمي والفني والأدبي والموسيقي الذي يرفل فيه أبناء عمّنا اليهود انعكس أيضا على الأخلاق واحترام الإنسان. ولكن هيهات: ها إنّ الانتقام يصل عندهم إلى ما لا يتصوّره عقل ولا تقيسه إحصائيّة.

 

قرون طويلة في الجالية اليهودية بين “يمنيا” فلسطين و”ماينتس” ألمانيا!

مرّت مدينة “يمنيا” أو “يمنيه” غربي القدس بين أسماء المدن حيث أغلقت المدارس والتزم السكّان الملاجىء. وما أدرانا ما “يبنيه”. أعاد اكتشافها أحد الربانيين وهو يوحانان بن زكاي وسمح له الرومان بإنشاء مدرسة تلمودية فيها. وما كان عنده أمل بقبول إلهي للذبائح بما أن كتاب “يوما رابا” عن يوم الغفران أعلن بشكل غامض أنه تبارك وتعالى بدأ لا يرضى عن ذبائح الهيكل قبل دماره بأربعين سنة، وهو ما يتزامن مع الحكم على السيد المسيح بالموت.

وفي شأن يمنيا أو يمنيه رُوّج أنّ مجمعا لليهود قام هناك سنة 90 م حيث تضايق اليهود من اقتباس المسيحيين من النقل اليوناني اليهودي السبعيني (القرن الثالث قبل الميلاد في عهد بطليموس فيلادلفوس) وانتهى بهم الأمر أن رشقوا بالحرمان كل يهودي قرأها، وذلك سنة 130 م. وإن لم تكن تلك المعطيات صحيحة، غير أنّ أمرًا أكيدًا هو استنباط أي اختراع “بركة تاسعة عشرة” حصل. وعند معشر اليهود ثماني عشرة “بركة” أي تسبيح لله. ولكنهم عندما رأوا دمار الهيكل وانهيار اليهودية صبوا خنقهم على المسيحيين ب “ببركة” هي عليهم وعلى “الأجناس” لعنة وال”مينيم” (أجناس) هم البدع اليهودية وغير اليهود. وهذا نصها وضعوها في المقام الثاني عشر من تأليف شموئيل الصغير: “للمدمَّرين (بفتح الميم المشددة) لا يكوننّ رجاء ويتم استئصال ملكهم قريبا في ايامنا. ويفنى النوتسريم والأجناس في لحظة. ليُمحوا من سفر الأحياء ومع الصدّيقين لا يُكتَبوا! تباركت ايها الرب إلهنا ساحق المدّعين”!

 

إلى ماينتس في ألمانيا

حصل خلاف الدعوة الحاخامية على المسيحيين وملكوا في الأرض وتنصرت الإمبراطورية الرومانية وبات اليهود أقلاّء يخفون كيدهم ويخبئون الطبعات الكاملة للتلمود بالذات. ونشأ بينهم عبقري اسمه جرشون وتألق نحو سنة 1000 في مجمع في ماينتس أراد فيه أن يحسن وجه اليهودية على اليهود أنفسهم والعالم. فنهى عن القساوة مع الأبناء والزوجات واستبعد بعض أحكام الإعدام. وحتى مع ابنه الذي اعلن نيته اعتناق المسيحية بقي وديعا لطيفا وصام من أجل ابنه اسبوعا، يقال أن الولد مات في آخر يوم منه.

 

خاتمة

إلى متى ستغلب النقمة والانتقام درب اللطف والمنطق؟ هذا ما نسأله زعماء العبرانيين: أتريدون شموئيل الصغير أم جرشون بن يهودا رجُل الرفق صديق الإنسان المستعدّ أن يتعلّم حتّى من خصومه ؟

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.