المسيحيّة والرّياضة البدنيّة

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

في الإسلام “من أفتى بغير علم كفر”. والمنطق يُعلن المبدأ نفسه في المسيحيّة. ولكن خصوصًا في بلادنا يتكلّم كثيرون، من مسيحيّين وغير مسيحيين، في الديانة المسيحية وفي “شؤون الكنيسة”، إمّا بلا معرفة أو بلا علم دقيق أو “بسماع الأذن” (والمسيح المنتظر حسب أشعيا لا يتصرّف هكذا). فيكونون، على حسن نيّتهم، مثل السيدة “براسيده” في رواية الكاتب الشهير الإيطالي أليسندرو منزوني أصحاب “أفكار قليلة معظمها مغلوط فيه شطّ وخلط”.

 

لا تعادي المسيحيّة الرّياضة ولا تحتقر الجسد والزّواج

ورثت المسيحية، ولا سيما الرومانية، أجمل ما في الحضارة الإغريقية اليونانيّة والساميّة الشرقيّة . وقالت الأولى، وأحسبها عبر الشاعر والمفكّر “يوفيناليس” الذي كتب: “العقل السليم في الجسم السليم”. (وهو غير اسقف القدس الذي طلب من الحبر الأعظم والمجمع الخلقيديوني أن يحول اسقفية القدس إلى بطريركية سنة 451 م) .

وفي تيموثاوس الأولى فصل4 الآيات الأولى ينتقد القديس بولس بدعة “مانو” ذات الأصل الفارسي التي كانت تحسب الجسد شرّا وتحرّم الزواج بحيث قاومها أيضا القديس أوغسطينوس وانقرضت لرفض الإنجاب، كما انتقد القديس بولس الفريسي السابق اليهود المتدينين المانعين نهائيا لبعض الأغذية مع ان المسيح قال: “ليس مايدخل الفم ينجس الإنسان”. ويستغل خصوم الكنيسة من قوم بروكلين وسواهم من الخوارج تلك الآيات بالإدعاء أن الكنيسة تفعل ذلك. وفي التبتل خيار شخصي بلا إكراه .

 

ليس صحيحًا أنّ القديس بولس- بعد المسيح- احتقر الجسد ونبذ الرياضة كشرّ

في مدرسة يسوع، عدّ مار بولس بصواب جسم الإنسان “هيكلاً لروح القدس”. وفي المسيحية يسكن روح الله الإنسان الصالح، من ذكر وأنثى(يوحنا 1 :5 وباقي الفصل)، لأنه خليقة الله. ويقول الإسلام أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم. ولكن الخطيئة تردّه “أسفل سافلين”. وليس خفيًّا في الواقعية السليمة، في المسيحية والإسلام، أنّ “الروح مستعدّ والجسد ضعيف”، كما قال السيد المسيح في بستان الزيتون، وأنّ “النفس لأمّارة بالسّوء” بحيث يجب ضبط الجسد وقمع شهواته. ولكن عندما يريد أحدهم أن يسيطر على أهوائه خصوصا الجسدية ، لا يعذّب جسده (وإن كان بعض الرهبان يجلدون أنفسهم من باب المبالغة) بل يقمع الأهواء السيئة كما كتب مار بولس مستخدما بالضبط تشبيه الرياضي الذي يحرم جسده ويروّضه للمحافظة غلى الرشاقة واللياقة “لينال إكليلا” أي الجائزة الرياضية: “أما تعلمون أنّ العدائين في الميدان يعدون (أي يركضون) كلهم، وأن واحدا منهم ينال الجائزة؟ فاركضوا كذلك حتى تفوزوا! وكل مبار يحرم نفسه كل شيء، أمّا هؤلاء فلكي ينالوا إكليلا يزول. … فأنا لا أركض بغير هدى ولا ألاكم لاطما الريح. أقمع جسدي وأعامله بشدّة لئلا يتمّ رذلي بعد أن وعظت غيري” (قورنثوس الأولى 5 :22- 27) .

بالخلاصة كتب مار بولس: “الرياضة (البدنية) تنفع قليلا (ولم يكتب انها تضّر)، أمّا التقوى فهي تنفع في كل شيء”، “والتقوى أقوى”.

أمّا تكرار اسطورة”فساد الكنيسة وتقهقر العلوم والرياضة في العصور الوسطى فما زال ربع حقيقة يناقضها الواقع ولكنّ خلقًا كثيرًا يردّدها من غير تأكد، في مدرسة السيدة “براسيده” وسنعود إليه. كما أن تحريم الإمبراطور ثيودوسيوس للألعاب الأولومبية ما كان تحريما للرياضة بحدّ ذاتها بل للتجاوزات التي كانت ترافق بعضها ولتسرّب وثنية سابقة زالت والحمد لله. بل إن الوثنية بأمها وأبيها وعلى بكرة أبيها زالت بالمسيحية.

 

خاتمة

تبقى نقاط أخرى ستتمّ معالجتها لاحقا من هذا المنبر الأغرّ.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.