الأحد الثالث للمجيء أ 2019

“إعرف أيّها المسيحيّ كرامتك! ”    القدّيس لاون البابا) (متّى 11 : 11)

(خواطر بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

يُعلن السّيّد له المجد : “الحقّ أقول لكم : لم يقم في مواليد النّساء أعظم من يوحنّا المعمدان ، ولكن الأصغر في الملكوت أعظم منه” (متّى 11: 11). حسبنا في هذه الأية للتّاملّ نصّاً والتّفكير! تعني “بالعربيّة” أنّ أصغر مسيحيّ أعظم من أعظم عبرانيّ! ولا شكّ في القول ولا تذبذب! ولعلّ الآية عند أولي الألباب تفتح عيون بعض “مسيحيّينا” ، ولا سيّما الأعاجم الّذين يخرّون إلى اليهود والصهيونيّة عُبّداً سُجّداً ، يفضّلون أيّ “يهوديّ على الحبر الأعظم نفسه” ، كما كان يقول أحد “المتنصّرين” الفرنسيين المتوفّى في السبعينات في البتراء : “أنظروا إلى هذا اليهوديّ العصبيّ! لا أبدّله ببابا روما”، لا لشيء إلاّ لأنّه على رأيه “من الشعب المختار” الذي يجدر بنا نحن أحفاد الوثنيين “المساخيط” أن نلعق تحت قدميه التراب!

قصد الرب يسوع أنّ يوحنّا بن زكريّا “بشّر بقرب الملكوت” ، كارزاً بمعمودية ماء فقط للتّوبة، في حين أنّ أقلّ المسحيين شأناً وعمراً وقدراً – لا بفضله بل بنعمة الفادي – يُولد ولادة ثانية من عل “من الماء والروح” (عن يوحنّا 3 : 3 وتابع) معمّداً “بروح القدس والنّار” فيدخل الملكوت من أوسع أبوابه، في حين بقي ابن زكريا المختون، الملتزم بالوضوء والتمييز بين المأكولات، على العتبة.

كان أحد الرّعاة غير المسيحيين في لبنان، يقول لقدس الأب المارونيّ الراحل منصور زيتون ابن فلسطين – كفر كنّا – البارّ : “أنتم معشر المسيحيين لا تعرفون قيمتكم!” وكان يحلو لذلك الراعي أن يطلب المسبحة الورديّة وينقّل بين أصابعه حبّاتها، حتّى اغتياله في أحد الأيّام لتعاطفه مع المسيحيّة، فعُمّد معنويّاً بمعموديتَي الشّوق والدم. نعم ، قيمتنا كمسيحين، هي أننا حظينا على علاّتنا أن “نطّلع على السّرّ المكتوم منذ الدهور” ، أي رغبة الله في التأنّس، حبّاً للبشر، وتتميم ذلك “لمّا تمّ الزّمان” بين الناصرة وبيت لحم.

وهكذا ، كما يلحظ الطوباوي يوحنا بولس الثاني، في حين أنّ في اليهودية وسواها يبقى الله سامياً عالياً بعيداً ، صار عندنا “عمانوئيل” أي الله معنا وبيننا وواحداً منّا – من غير الخطيئة (عن “العبور إلى الرجاء” ، ص 139). بنعمة الفداء وفي المعمودية يسكن الله قلوبنا، وقد جعلنا بالتبنّي أبناءه وبناته ، وفي مسحة الزيت المقدّس يمسحنا ملوكاً وأنبياء وكهنة ، وفي القربان الأقدس يقدّس جسد المسيح أجسادنا، ويسمو بنفوسنا ويقيم فعلاً فينا وبيننا (عن يوحنا 1 : 14) ، فلا عجب أن نزيد منه وبه “نعمة على نعمة”. وما عاد كهنوتنا المسيحيّ مثل العبراني الهارونيّ عشائريّاً قبليّاً عرقيّاً، قوامه ذبح المواضي، بل أضحى بلا أضاحي حيوانية، تجديداً لذبيحة المسيح الفدائيّة الواحدة ، بشكل غير دام ولا عنيف ، تحت شكلي الخبز والخمر (عن عبرانيين 5 : 1 وتابع). ففي المسيحيّة حلّ الزيت والماء والخبز – وهي من عناصر الحياة – محلّ الدّم ، علامة العنف والموت!

ولسنا نفتخر بأنفسنا بل بالرب وبصليب الرب (غلاطية 6 :14).

تُداس في الشرق كرامة المسيحيين، وفي مواضع أخرى كثيرة من العالم الثالث وحتّى في الغرب – وتتعرّض حياتهم وممتلكاتهم ومقدّساتهم لشديد الدمار وعظيم القتل حتّى الإبادة أحياناً. فلنسألنّ الرب القائم من بين الأموات أن ينصرنا على نزعات الشّرّ ، وأن يعطينا الصمود حتّى الدم كما أنبأ له المجد : “من صبر إلى المنتهى نال الخلاص”!

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.