نابغة زمانه – الأب العلاّمة بيتر مدروس

أشخين ديمرجيان

وُلد الأب العلاّمة بيتر مدروس في القدس سنة 1949 ورحل عنّا على رجاء القيامة في 18 ديسمبر 2019. يُعدّ الفقيد نابغة زمانه في الأوساط الكنسيّة على الصعيدين المحلّي والعالمي. وقامة علمية كبيرة تناطح السحاب في الكتاب المقدّس وعلومه ولغاته. حصل على درجتي دكتوراة في علوم الكتاب المقدّس وفي اللاهوت الكتابي من روما، وقد دافع عن رسالة الدكتوراة الثانية أمام الكاردينال راتزنغر (البابا بندكتس السادس عشر فيما بعد) في ترجمة المزامير للعربية. صافحه قداسة البابا بندكتس سنة 2010 في سينودس الشرق الأوسط ، أي بعد مرورعشرات السنوات، صافحه بحرارة وتذكّره جيّدًا !

ربطتني بالأب الراحل وبشقيقتيه ديانا ولوريس علاقة وطيدة. وكان لي الشرف أن أعمل معه لمدة اثنتي عشرة سنة لأنّ العمل معه يتطلّب إتقان لغات عديدة، وقد تعلّمت منه الكثير والحمد لله. عانى أهله التهجير في القدس مرّتين سنة 1947 و1967 وخسروا جميع ممتلكاتهم. وقد هاجر جدّ الأب بيتر من طرف والده من أرمنيا إلى الأرض المقدّسة مع غيرهم من الأرمن في الحرب العالمية الأولى.

أمّا درجات الدكتوراة الأخرى فحدّث ولا حرج: في تاريخ الكنيسة والأرض المقدّسة والاسلاميات والكتب الربابينية والتلمود . حفظ السور القرآنية من مكية ومدنية عن ظهر قلب، وكذلك كتب التلمود وغيرها الكتب الربابينية. كما حفظ الكتاب المقدّس الذي يشمل ( 93) كتابًا! لم يحفظ كتب الديانات السماوية فحسب، بل يعود بذاكرته الحديدية إلى رقم الآية والصفحة والسطر!! كان له عدّة مناظرات مع بعض الشيوخ ومنهم فضيلة الشيخ يوسف أبو سنينة . شبّهه بعض الإعلاميين في قنوات غير مسيحية بالأسد لشجاعته في الحوار وفي قول كلمة الحقّ من غير محاباة.

أتقن ستّ عشرة لغة، خمس لغات قديمة وإحدى عشرة لغة حديثة ومنها اللغة الأرمنية. واللهجات العامية العربية والأجنبية في كل بلد .

كان الأب العلاّمة بيتر متوقّد الذهن حادّ الذكاء ممّا ساعده على تحقيق منجزات باهرة في مجالات لم تُستكشف من قبل. ووسّع قدراته العقلية أكثر بالمطالعة اليومية. لقد قرأ ألوفًا مؤلّفة من الكتب مما وسّع مداركه وجعله قدرة عبقرية خلاّقة من جميع النواحي. وكان لديه لكلّ سؤال جواب سريع من غير تردّد. وهو المرجع الكنسي الوحيد في تفسير المواضيع الشائكة والترجمات أو النصوص الصعبة.

شأنه شأن العباقرة حمل الأب بيتر المتناقضات في شخصيته: فهو مع عظمة شخصيته كان طيبًا جدًا بسيطًا ومتواضعًا من غير تصنّع. كان زاهدًا في المأكل والمشرب والملبس ولا يفكّر بالمظاهر أبدًا ولا في ألقاب الرتب الكهنوتية . كان يكفيه فخرًا أنّه “كاهن” . وكان يرفض تسميته بالدكتور أو العلاّمة بل يفضّل أن ينادوه “أبونا” او “الأب”. كم حاولنا إقناعه أنا وغيري إلى أن اقتنع بإضافة لقب “دكتور” في بعض كتاباته. وهكذا تميّز بمحبّته لأهله وكنيسته وشعبه، وبغزارة عطائه رسم الفرح والسعادة على وجوه مئات الأطفال والعائلات بمساعداته المادية أو المعنوية وبتغطية ألأقساط المدرسية . اعتنى قبل عدة سنوات بمريض لمدة أسبوع في أثناء غياب الممرّض. وكنت أرافقه يوميًا في ساعات الظهر لمدة أكثر من سنتين كي ننقل طفلة من الحضانة إلى والدها في مكان عمله والذي يبحث عن لقمة العيش ولا يستطيع ترك الدوام. كان يقول لي رحمه الله: “هذه الطفلة ملاك يجب أن نعتني بها”. كان يترك أبحاثه المرهقة وأعماله المتراكمة كي يقوم بهذه الرسالة العظيمة.

كان الأب بيتر طاغي الحضور، خفيف الظلّ، سريع البديهة، لطيف المعشر. كما أحبّ جميع الناس ونال شعبية كبيرة وقدرًا عاليًا في قلوب الناس. وكانت خفّة دمه تساعده في إلقاء محاضراته من غير أن يملّ الحضور، وفي نفس الوقت تسهّل عليهم استيعاب المواضيع مهما كانت صعبة. ومن مواهبه أيضًا الذكاء الاجتماعي والسهولة في خلق الصداقات في كلّ أنحاء العالم.

مثّل الكنيسة في المؤتمرات المحلية والاقليمية والدولية وفي مجالس الدراسات البيبلية في الشرق الأوسط وأوروبا. قدّم برامج أسبوعية في تلفزيون المهد في بيت لحم. ودعي لتقديم برامج أخرى في تلفزيونات لبنان منها: نورسات وصوت لبنان الحرّ ومريم TV وCharity .وتلفزيونات أجنبية. كان بإمكانه أن يرتجل الكلام في أي موضوع مهما كان صعبًا .

يُعَدّ الأب بيتر من أوّل الرواد في تعديل المنهاج الفلسطيني فقد نادى بذلك منذ أكثر من عشرين سنة، نادى بمراجعة كتب المناهج الدراسية، وإضافة ما غفل عنه المنهاج من تاريخ المسيحيين وسواهم والأحداث الجسيمة. كما حمل الروح المسكونية بامتياز، فهو صاحب الفكرة والمؤسس الإيديولوجيّ لمركز اللّقاء والتي طرحها – قبل أكثر من ثلاثين سنة – على المرحوم د. جريس خوري . ثمّ توجّه الأب الفقيد إلى روما لاستكمال أطروحة الدكتوراة الأولى.

نال لقب قانوني القبر المقدّس سنة 2019. علّم الكتاب المقدّس والإسلاميّات وتاريخ الكنيسة في جامعة بيت لحم وفي معاهد اكليريكية وأكاديمية في القدس وأوروبا. ساعد عشرات من الكهنة والعلمانيين في الحصول على الدكتوراة وكان يفرح لفرحهم ويفتخر بهم.

أثرى الكنيسة في الأرض المقدّسة والبلدان العربية والأوروبية بكتبه وكتاباته وأبحاثه القيمة. أخص بالذكر: الترجمة العربية للمزامير وقد بلغت 6 طبعات مصحّحة، واعتُمدت في نصوص القداديس إلى يومنا هذا. وهي أفضل المزامير معنى ومبنى لأنّ العلاّمة الراحل تقيّد بعلم تفسير الكتاب المقدّس. وهو الوحيد الذي يفهم لغة المزامير الأصلية في العالم أجمع.

وأخصّ هنا بذكر مقالاته الأسبوعية في صحيفة القدس الغراء وفي موقع أبونا الإلكتروني ، وكذلك في موقعه الخاص، وعظاته الأسبوعية بثلاث لغات. بالاضافة إلى ثلاث ندوات أسبوعية. وإلقاء محاضرات مجانية للحجاج الأجانب.

وفي السنوات الأخيرة صارع الأب بيتر المرض بفرح من غير شكوى وكأنّ شعاره: “الشكوى لغيرالله مذلّة”. وكان همّه قبل وفاته أن تُنشىء البطريركية مكتبة روحية ثقافية في القدس …

خاتمة

إنّ خسارة الأب العلاّمة خسارة لا تُعوّض للكنيسة المحلية وفي الخارج. ولكنّه سيبقى حيًا في ذاكرتنا وفي ذاكرة الكنيسة، يلازمنا بروحه وبإرثه الثمين الذي ينبغي أن نحافظ عليه .

نقدّم العزاء لجميع أفراد عائلته، ولأسرة البطريركية اللاتينية ولكلّ أحبّائه والذين تتلمذوا على يديه سائلين له الرحمة والراحة الأبدية ولجميع محبّيه العزاء والصبر. إنّه السميع المجيب آمين !

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.