الأحد الحادي والعشرون للسنة ب

الأحد الحادي والعشرون للسّنة  ب 23 آب 2015

“أيّتها النّساء اخضعن لأزواجكم … أيّها الرّجال أحبّوا نساءكم”    (أفسس 5 : 21 ت)

بقلم الأب د. بيتر مدروس

قد تثير توصية الرّسول بولس الاستغراب أو الاستياء إذ تطلب من النّساء الخضوع لأزواجهنّ “كما للرّبّ” ، “وفي كلّ شيء”. ولكن يجب أن يقرأ المرء هذه الكلمات  – وكلّ ما ورد في الكتب المقدّسة – في السّياق الخصوصيّ والعامّ أي إطار الوصايا العشر بحيث أنّ “الله أحقّ بالنّاس أن يُطاع” عندما يأمر البشر أمراً مخالفاً للوصايا الإلهيّة (عن أعمال الرّسل 5 : 29). الآية السّابقة لأفسس 5 : 22 تقول :”إخضعوا بعضكم لبعض بتقوى المسيح ، فالنّساء لتخضعن …” ( أفسس 5 : 21). على هذا الأساس اللغويّ والنّحويّ والمنطقيّ ، الخضوع المرجوّ متبادل. ولكن الرّجُل هو رسميّاً رأس الأسرة وهو حاميها وهي تحمل اسمه، إذ لا بدّ من مرجعيّة منظورة معترف بها مُتّفق عليها. وفي المجتمعات القديمة (والحديثة) الذّكوريّة وجود الرّجُل وسلطته مفروضتان وإن لم يكن دائماً على مستوى عال من الحزم أو التّدبير أو الذّكاء أو الأخلاق، إلى حدّ أنّ الحكمة الشّعبيّة أعلنت : “لو كان فحمة فهو على البيت رحمة!” و “ظِلّ رجُل ولا ظِلّ حائط!”

وفي نصّ سابق من هذه الرّسالة إلى أهل أفسس وسواهم (في 4 : 25) يوصي بولس كلّ المسيحيّين بما فيهم الأزواج أن “يَصدُق بعضهم بعضاً لأنهم أعضاء بعضهم لبعض” في جسد المسيح الواحد. أمّا رغبة الرّسول في أن تخضع المرأة لزوجها “كما للرّبّ ، فهو جزء من المعاملة المسيحيّة الشّاملة لجميع النّاس أي أن نرى الرّبّ في كلّ منهم ، بحيث أنّ ما نفعله لأحد الصّغار – أو لأحد الزّوجين – فللرّبّ قد فعلناه.

هنا يعطي القدّيس بولس بُعداً سماويّاً ربّانيّاً لشخصيّة الزّوج – لا من باب التّاليه ، حاشى وكلاّ – بل من باب تمثيله للسيّد المسيح في الأسرة. وغير واردة فكرة التسلّط الذكوريّة التي سادت  بعض الأوساط اليهوديّة والوثنيّة إذ مطلوب من الزّوج أكثر بكثير من المطلوب من زوجته!

يلحظ المرء أوّلا المفرد في كلّ الحالات لا المثنّى ولا الجمع أي زواج الرّجُل الواحد بالمرأة الواحدة بحيث “يحبّ كلّ زوج  امرأته (ولم يقل “نساءه”) حبّه لنفسه”. والحبّ  المطلوب من الرّجُل ليس مطلوباً من المرأة ، ولعلّ مار بولس أدرك – على عزوبيّته – صعوبة أو “استحالة”  أمر المرأة أن تحبّ من لا تحبّ أو من تكره ، واكتفى بتوصيتها بالخضوع (على الأقلّ رسميّاً واجتماعيّاً) وباحترام الزّوج (ولو خارجيّاً). ولكن على الرّجُل ليس فقط الاكتفاء بامرأة واحدة مسيبطرا على أهوائه بل عليه أن يحبّها لا أن يحبّ نفسه بل أن يحبّها حتّى التّضحية لا بها (كما يفعل خلق كثير!) بل بحياته من أجلها كما قرّب السيّد المسيح نفسه للكنيسة عروسه!

وإذا بقيَ الأمر “عسير الهضم” لبعض النّاس ، فربّما تساعدهم توصية رسول الأمم الإناء المختار بولس وهي لا حبّ القوّة ولا سلطة القوّة بل سلطة الحبّ وقوّة الحبّ حيث يحلو المُرّ ويسهل الصّعب ، كما كتب مار بولس إلى أهل غلاطية  ( 5 : 13): ” بالمحبّة اخدموا (أو : كونوا عبيداً) بعضكم لبعض!”

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.