أحد القيامة السّيّديّة المجيدة السّعيدة 27 مارس 2016

بعد ثلاثة ايّام حداد، القيامة “والحياة إلى الأبد” ! 

(أعمال 10 : 34- 43، قولسّي 3 : 1-4، و 1 قور 5 : 6-8، يو 20 : 1 – 9)

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

لا يقدر المرء، حتّى أكثر البشر “تمسحة” وأقلّهم إنسانيّة، أن يبقى بلا تأثّر ممّا يحدث يوميًّا في الشّرق الأوسط ولا سيّما سورية والعراق من مذابح وجرائم وما حدث مؤخّرّا في كلّ من باريس وبروكسيل التي هي في نفس الوقت عاصمة بلجيكا والاتّحاد الأوروبيّ. وبعد ثلاثة ايام حداد في بروكسيل، يرجو المرء للشعب البلجيكي والفرنسي وسواهما الهدوء والاستقرار في “حضارة المحبة”.

 ولكن بلغ “عمى البصيرة” عند كثيرين، ومنهم أحد “المحلّلين” العلمانيين الملحدين الناطقين بالفرنسية أنه أعلن : “ما من هدف عند الجماعات التي قامت بالعمليات الإرهابيّة. وإن كانت هنالك عقوبة لما فعلت فهو تقسيم شعوبنا وإدخال التّمييز العنصري إليها في شأن العرب والمسلمين”. وخالفه الرّأي، بصواب، كاتب أردنيّ بيّن ما أعربت عنه تلك الجماعات بوضوح الشّمس ولكن هنالك من ينكر الشّمس!

المسيح “شّمس البِرّ”  قام في “يوم الشّمس” الأحد، “يوم الرّبّ”!

الملحدون الغربيّون – الذين سرت عدواهم إلى نفر منّا نحن المسيحيين العرب- لا يريدون أن يروا الحقيقة وينسبون كلّ شيء- مثل كارل ماركس أي كيسل مردخاي العبريّ- إلى المادة والاقتصاد والكبت من الأوضاع المعيشيّة وعدم “الاندماج”. ولكن أليس الدين أو عقلية “أخلاقية” معيّنة وعادات وتقاليد، نابعة عن الدين، هي السبب في عدم الاندماج؟ ما نشهده عند خلق كثير هو الموت الدينيّ وإنكار  الإله وتأليه الإنسان ولا سيّما المرأة والاستهزاء بالمسيح والاستهتار بالكنيسة، والاحترام لكلّ ما سواهما. نرى مجتمعات كاملة كانت مسيحية وألحدت، كانت خلوقة وفسدت. لا تريد أن “تعلم عن الديانة شيئًا” وانتهى الأمر بها سريعًا بأنها لا تفقه من الأديان أمرًا، لا في دينها السابق ولا في أديان غيرها. وتمّت في القوم كلمات صاحب المزامير في شأن الأصنام وعبّادها : “لها عيون ولا ترى، لها آذان ولا تسمع: مثلها ليصبح الذين يصنعونها وكلّ الذين يتوكّلون عليها”. اتّكل كثير من الغربيين على “الأصنام” المعاصرة من جنس ومال وإباحيّة وانحراف وشذوذ.

الغرب والشرق بحاجة إلى قيامة، ولا يريد المرء أن يستخدم هنا لفظة “بعث” بسبب مدلولها السياسي. قيامة روحانية حيث نغلّب الروح “ولا نتبع شهوات الجسد”، قيامة روحانية تعود بنا نحن المسيحيين إلى “حبّنا الأول” اي “الله محبّة” اي الطفل يسوع والعذراء الوالدة الماجدة والقديس يوسف الخطّيب العفيف ، والكنيسة أم المؤمنات والمؤمنين أمّنا “عمود الحق وركنه”. وإذا كانت هنالك نصوص ومذاهب تنادي بالقتل والبغضاء، فنحن بحاجة إلى أن نعود إلى “إنجيل السلام” الذي هو إنجيل الحياة لا الموت، حيث “مات واحد ليحيا الكلّ” وحيث لا يجدر بأحد أن يقتل غيره ولا يقتل نفسه، لأنّ جنّة المسيح هي للأبرار وللخطأة التائبين لا للقتلة المنتحرين. يجب أن نقوم وننتفض على خطايانا ومادّيّتنا وإلحادنا العمليّ الذي لا رجاء فيه ولا معنى للحياة عنده، كما قال المفكر الملحد جان بول سارتر، وأحسبه يهودي الأصل : “الكيان والعدم” ، “اللامعقول” ، “القرف” و “جهنّم هي الآخرون!”

بعض خواطر في قراءات هذا الأحد المجيد

أعمال الرّسل 10 : 34 ت

“شرع بطرس (في بيت قرنيليوس) يقول…” : إنه هو هو سمعان بن يونا الذي كان “يأكل الخبز بالجُبن” اي بالخوف وارتعدت فرائصه أمام جارية – اي “ضلع قاصر” – أرعبته وأرهبته هو الرجل القويّ سليم البنية. الآن يقول بطرس الحقّ وكان قد كذب وأنكر “وكابر”: “إنني لا أعرف الرّجُل”. وكان حبل الكذب عنده قصيرًا : “إنّ لهجتك (الجليليّة) تكشف أمرك!” الآن لا يخاف بطرس أحدًا ولا يعمل حتّى للموت حسابًا! يا ليتنا نحن الإكليروس نقتدي به. وفي نفس الوقت، مع أساقفتنا حقّ أن يكونوا حذرين في منتهى الحيطة خوفًا على رعيّتهم من أوضاع اسوأ ممّا نحن عليه.

يعلن بطرس على رؤوس الأشهاد: الأمر ذو الشّأن هو … يسوع الناصريّ! لا فائدة من اللّفّ والدّوران. طفل مريم، كما تنبّأ سمعان آخر هو سمعان الشّيخ، هو “هدف النّزاع”. هو محور التّاريخ، هو “المحكّ”: الناس إمّا معه أو عليه، إمّا يكرمونه أو يضطهدونه.  لا حلّ وسط! “ونحن شهود” : يسترسل الصياد الجليليّ من بيت صيدا وقد اصطاده المسيح!

“قتلوه إذ علّقوه على خشبة” أي على مادّة الخشب، أو على تقاطع خشبتين إحداهما ال “ستافروس-كروكس” والأخرى الأفقية “باتيبولوم” اي “الخشبة الفاتحة للابواب”، حتى تخال الخشبتين واحدة، وقد الصقتهما المسامير بشكل جوهري مميت قاتل! وسيستغلّ التّلمود البابليّ، في كتاب “المحفل” سنهدرين 43 أ، هذا الفعل ليكتب : “عشيّة عيد الفصح عُلّق يشو(ع) لأنه كان يغوي يسرائل بالسّحر”.

وهنا، تجدر الإشارة الى الآية السادسة والثلاثين من هذا الفصل العاشر من أعمال الرسل: “أرسل الله كلمته…مبشّرًا بالسّلام بيسوع المسيح الّذي هو ربّ الكلّ”. يصاب اليهود الأمريكيون الذين يديرون مجلة “برج صهيون للمراقبة” في بروكلين ويتحكمون بعقول نحو ستة ملايين من “شهود يهوه” بحساسية وقشعريرة وهلع عندما يجدون في الكتاب المقدس آيات عن ألوهية السيد المسيح ومجده. ويسارعون في تحريف الآيات المشار إليها. هنا في أعمال 10 : 36 ، ينقلون النص هكذا : ” هو سيّد  جميع  (الآخرين)”، أو حتّى عندما ينقلونها بنزاهة “الذي هو ربّ الكلّ” يُرجِعون القارىء الغافل إلى نصوص مثل أفسس 1 : 20 يعتقدون أنها إنكار لألوهية المسيح. وهكذا يرى المرء أنّ “أبناء الظّلمة” أكثر حنكة  “وتنقيبًا” أحيانًا من “أبناء النّور” الذين لا ينتبهون للكثير من المكايد والدسائس شأن المواطنين المساكين في باريس وبروكسل ومدريد ولندن …

“ارغبوا في الأمور التي في العلى، لا في التي على الأرض!” (قولسّي 3 : 1-4)

لا يقصد رسول الأمم الإناء المختار أن يمسي الدين المسيحيّ “أفيونًا للشعوب” اي مخدّرًا يجعلهم يسرحون في الأوهام حالمين ينظرون إلى السماء ويقعون في الحفر لعدم معرفتهم موضع موطىء أقدامهم! وفي الفصل الثالث عشر من الرسالة إلى أهل رومة يرسي القديس بولس قواعد المواطنة الصالحة النابعة عن الإيمان القويم. وهدفه هنا حثّ المؤمنين على عدم التّعلّق بالدنيويات الفانية بل بالسماويات الباقية. وهي دعوة للتخلّص من الإلحاد والمروق والفساد، وهي من آفات خلق كثير في الغرب جعلت الارواح تموت والعقول تصاب بالبلادة والبصائر بالغشاوة تتنكّر “لحقائق ووقائع تفقأ العيون” كما يقول قدس الأب هنري بولاد اليسوعيّ.

“ذُبح فصحنا المسيح: فلنعيّدنّ!”

ردّ على سؤال الكثيرين: متى نعيّد الفصح، أمع الشّرقيين أم مع الغربيّين؟ والجواب: إنّ حكمة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وعلى رأسها البابا فكتور من شمال أفريقيا (189-199) وبحنكة القديس إيريناوس ، ولاحقًا في مجمع نقية سنة 325 م، حدّدت بصواب عيد الفصح يوم أحد، بعد الرابع عشر من نيسان العبري أو بعد بدر الربيع. ولكن العبقرية هي أن المسيحيين يحتفلون بقيامة الرب أسبوعيًّا، كل يوم أحد، كل يوم شمس الذي تحوّل في المعجم المسيحي اليوناني إلى “اليوم الرباني” (رؤيا 1 : 10). أمّا العيد السّنويّ فهو في هذه الفترة من الربيع. ولا يتذرّعنّ المسيحيون المزيّفون لتبرير عدم احتفالهم بقيامة يسوع- لا يتذرّعنّ أي منهم بأن كلمة “ايستر”  Easterالإنكليزية آتية من المعبودة الوثنيّة “عشتار”، إذ يبدو أن هذه التسمية درجت في بلاد سكسونية أخالها إنكلترا أو ايرلندة في القرن الثامن الميلادي. أمّا عندنا نحن الشرقيين فهو “عيد الفصح” كما قال مار بولس حرفيًا، بما أن “المسيح هو فصحنا” اي حَمَلنا الفصحيّ بحيث نذكر ذبحه كحَمَل وقيامته كفصح أي عبور نعني موته الخلاصيّ وقيامته المجيدة.

 

“لم يكونا ( أي بطرس ويوحنا الحبيب) قد فهما بعد الكتاب الذي يقول: إنه يجب أن يقوم من بين الأموات!” (يو 20: 9)

فضيحة وعليها العالم كلّه شاهد! ماذا تكتب ايها الرّسول الحبيب؟  “خلّي الطابق مستور!” أصحيح ما قرأنا؟ نفرك أعيننا، وننظّف نظّاراتنا: “لم يكونا قد فهما الكتاب”: من ؟ أمير الرسل بطرس والرسول الحبيب يوحنا! إن لم يفهم هذان الاثنان، فما حال الباقين؟! أليست هذه الآية مدعاة للخزي والعار لنا، نحن المفتخرين بالرسل ولا سيّما بهذين “الكوكبين” أو “النجمين”، كما يقال في عالم السينما؟ لا ، بل بخلاف ذلك! هذه الآية وهذه “البهدلة” و “الشرشحة” المؤدّبة الخطيرة برهان، ولا أبلغ، على صدق الإنجيل الطاهر ونزاهة الإنجيليين حتّى على أنفسهم وأعظم رموزهم وأعلى شخصياتهم! لا يرددون ظلما وإفكا وبهتانًا : “أمجاد يا رسل أمجاد!” بل يروون لنا، من غير عُقَد ولا تبريرات، تقصير الرسل – ما خلا واحدًا، وجبنهم وهربهم وخيانة الإسخريوطيّ وإنكار “الزعيم” بطرس وخوفهم الذي قطّع رُكَبهم بحيث كانت النّسوة أكثر منهم “رجولة”  وسمعان القيرينيّ وقائد المئة الوثنيّ  أوفر منهم مروءة!

خاتمة

يزيد من مصداقيّة الإنجيل الطّاهر عند “قليلي الإيمان” ليس فقط صدق الإنجيليين حتى في سرد سلبيات “مخزية” عن أنفسهم بل أيضًا في عدم توفّق “أبناء عمّنا” اليهود، لا في هوليوود ولا على أرض الواقع في فلسطين – في إيجاد جثمان يسوع أو عظامه، مع كل ما زعموا وأنتجوا ولفّقوا وصفّقوا. أمّا نحن، فإننا على يقين كما نرتل: “المسيح الرب قام : اليوم، إنّا موقنون!” كلمة المسيح والإنجيل تكفينا : الرب – ليس مضللا. قال : “أنا في اليوم الثالث أقوم”. “ولقد قام كما قال”. قام، حقًّا قام!

وكلّ عام وكلّ أحد وأنتم بخير، في القديس عاصمة المسيحية وفي بروكسيل عاصمة أوروبا وفي بغداد ودمشق عاصمتي الصلب المسيحي المعاصر!

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.